حرب 1948م – جزء: 3

يستعرض هذا النص واحدة من أهم محطات الصراع العربي الصهيوني خلال حرب فلسطين عام 1948م, حيث يسلط الضوء على معارك اللطرون والقدس وما شهدته من بطولات وتضحيات, ويقدم سردا تاريخيا يوثق دور الجيش العربي الأردني في الدفاع عن الأرض والمقدسات دفاعا مشرفا وعظيما

الجولة الثانية م 9/7 – 15/10 /1948

أثناء الهدنة الأولى عينت الأمم المتحدة (كونت برنادوت) وسيطا للسلام في فلسطين، وكان يأمل منذ قدومه إلى فلسطين أن تتحول الهدنة بين العرب واليهود إلى هدنة دائمة تؤدي في النهاية إلى معاهدة للسلام، وكانت خطته تتلخص في أن يكون الجليل بالكامل لليهود، وأن يكون النقب كله للعرب، أما القدس فتكون تحت إدارة الأمم المتحدة و اعتبار ميناء حيفا و مطار اللد منطقتين حرتين، وأن يصبح الجزء العربي من فلسطين تحت إدارة المملكة الأردنية الهاشمية

رفض الطرفان هذا الاقتراح و استعدا للصدام بانتهاء الهدنة في 9 تموز 1948م، وباقتراب ذلك اليوم، كان اليهود قد نظموا قواتهم ووصلتهم الإمدادات العسكرية والمقاتلون من أوروبا، ووضعوا الخطط العسكرية المحكمة، وغيروا من عقيدتهم القتالية فأصبحت خططهم تعتمد بالدرجة الأولى على أساس المبادرة بالهجوم أما العرب فحاولوا تسليح جيوشهم إلا أن الدول الغربية وفي مقدمتها بريطانيا رفضت ذلك بحجج واهية، أضف إلى ذلك أن السياسيين كانوا ميالين إلى عقد السلام مع اليهود. وبذا تغير ميزان القوة وأصبح لصالح اليهود، وتغيرت خطط الجيوش العربية من الهجوم إلى الدفاع، وقد انعكس ذلك سلبا على سير العمليات العسكرية في فلسطين وعلى القضية الفلسطينية والنظام العربي كله

  • سقوط اللد والرملة

وضع اليهود خططهم الاحتلال كل من (اللد، الرملة، اللطرون، رام الله)، وبدأ الاستعداد لها قبل نهاية الهدنة الأولى أي في 9 تموز 1948م

يقول اسحق رابين: و لأننا كنا متأكدين من أن الحرب ستتجدد خلال اليومين القادمين بمبادرة من العرب و لم يكن هناك سبب لترك المبادرة في أيديهم  واعتقد أن التسليح بأسلحة جديدة وفرت لنا الثقة بالنفس وأثرت على توقيت العملية

 أما مناحيم بيجن فيقول: وفي نهاية كانون الثاني 1948 م و في اجتماع القيادة العليا للارغون الذي اشتركت فيه فرقة التخطيط، وضعنا أمامنا أهداف إستراتيجية هي: القدس، يافا، اللد والرملة، المثلث (48)

لذا شكلت القوة التي ستنفذ هذه العملية من ألوية (هارئيل) و(يفتاح)، واللواء الثامن بقيادة (اسحق ساديه (، ولواء (كرياتي) وعدة كتائب من لواء (اسكندر وني)، وقاد هذه العملية ييجال آلون)، أما مساعده فهو (اسحق رابين (، وسميت هذه العملية (داني)

تعتبر مدينتا اللد والرملة من أكبر مدن فلسطين وأكثرها سكانا وتراوح بين ألفا إلى (70) ألفا قبل 15 أيار 1948م، بسبب نزوح أعداد كبيرة من عرب فلسطين إليهما

وهاتان المدينتان مهمتان من الناحية الاستراتيجية ففي اللد المطار الدولي الذي يربط فلسطين بالعالم جوا

وبالقرب منهما يقع معسكر صرفند العسكري، وهو أكبر معسكر بريطاني في فلسطين، وقد سلموه لليهود قبل 15 أيار 1948م، وانتهاء انتدابهم على فلسطين، بالإضافة إلى محطة اللد للسكك الحديدية التي تعتبر ملتقى الخطوط، وأكبر محطة للسكك الحديدية في فلسطين

 أضف إلى ذلك أنهما تتحكمان بممر واسع يربط تل أبيب بالقدس فهما والحالة هذه حيويتان جدا لليهود وللدولة التي يخططون لانشائها على الأرض الفلسطينية. لأنهما تتحكمان بخطوط الإتصالات و المواصلات في الداخل والخارج ونقطة أمامية لحماية تل أبيب و طريقا مهما للوصول إلى القدس

ليس هذا فحسب فالذي يسيطر عليهما يستطيع كشف مجنبة القوات المصرية في جنوب فلسطين و مجنبة القوات العراقية في وسط فلسطين

يقول بن جوريون في دفتر يومياته في24 حزيران 1948م: لا بد من سحق قوات لبنان وسوريا وشرق الأردن وعلينا أن نصمد في النقب، وخطتنا العامة لهذا الأسبوع هي : تحرير القدس والمنطقة المحيطة بها أولا ، ولتحقيق ذلك يجب حشد قوات إضافية و أسلحة ثقيلة لأنه من المنطقي أن نتصور أن الفيلق العربي سوف يبعثون على عجل تعزيزات للقدس . إن المعركة من أجل القدس حيوية من الناحية المعنوية والسياسية وإلى حد ما من الناحية العسكرية . ومع وصول المدافع شحنات مدافع جديدة لا بد من تدمير الرملة واللد، ونستعد لتوجيه ضربة إلى جنين، ومن ثم التقدم نحو وادي الأردن (البريجادير بيجال آلون) عليه أن يتولى أمر ضرب سوريا في الشرق و ضرب عمان فإن شرق الأردن سوف ينتهي، وبعد، فإن سوريا سوف تسقط

عمدة الحي اليهودي يقاد سيراً إلى مقر قائد معركة القدس عبدالله التل 1948 

وإذا تجرأت مصر على القتال فلا بد أن نضرب بور سعيد و الإسكندرية وحتى القاهرة, يقول مناحيم بيجن: لو استطعنا الاستيلاء على الرملة لتمكنا من دحر العرب على الجبهة العسكرية، وتغير الوضع الإستراتيجي تغيرا جوهريا، لما كان لها من تأثير على القدس أو المدينة القديمة، و بسقوط الرملة يتقرر مصير اللد

هناك أسئلة عديدة عن أسباب سقوط اللد والرملة فالمؤرخ سليمان موسى يقول : يظهر لنا ما رواه الفريق كوب عن تلك الأحداث، أنه كان يدرك أن بدء القتال يعني سقوط المدينتين في أيدي العدو

لم تكن هناك قوات أردنية أو غير أردنية تستطيع الدفاع عن المدينتين بصورة ناجحة، فلم تكن في داخلهما سوى السرية الخامسة وقوات المناضلين

أما أحمد التل فيقول إن كلوب أصدر أوامره إلى أقوى كتيبة في الجيش العربي للاسراع في الانتقال الى منطفة طوباس لتراقب تجمعات اليهود، والغريب في اختيار كلوب باشا الكتيبة الأولى المرابطة في منطقة اللد و الرملة لحماية المدينين من أي عدوان يهودي فتم نقل الكتيبة الأولى من منطقة اللد والرملة حيث كانت تعسكر في (بت نبا لا) إلى منطقة طوباس مساء الخميس 8 تموز 1948م، اي قبل نشوب القتال بليلة واحده. وهو بهذا العمل اخلى منطقة اللد والرملة من القوة الوحيدة التي كان يعول عليها في صد أي هجوم يهودي . ولم يبق في المدينة سوى المناضلين الفلسطينيين والعرب وسرية مشاة من الجيش العربي

أما صالح الشرع فيقول : في صباح يوم 11 تموز 1948م، وهو يوم حركة الكتيبة الأولى من بير زيت إلى داميا في غور الأردن تجاه العدسية، هاجم اليهود مدينتي اللد والرملة . كان وكيل القائد إدريس سلطان حاكما عسكرية على المدينتين، والرئيس (اديب القاسم) قائدا للسرية الخامسة مشاة من سرایا الحاميات تحرس المدينتين وفي الصباح الباكر تقدمت القوات اليهودية إلى مطار اللد، واحتلته دون مقاومة لأن فئة من مشاة السرية كانت تحرسه و انسحبت قبل بدء الهجوم

وكانت فئة أخرى في مدينة الرملة وانسحبت أيضا، وذلك لضخامة القوات المهاجمة، واستحالة المقاومة في هذا الموقف … ثم تجمعت هذه السرية في موقع مركز الشرطة الرئيس بين المدينتين، وصار موقفها دفاعية أمام قوة معادية قيل أنها بحدود لواءين أي أكثر من عشرين ضعف بالنسبة إلى عدد السرية

وعن بطولات هذه القوة الأردنية يقول دایان الذي كان يقود (الكتيبة ۸۹ كوماندوز): واصلت الكتيبة طريقها باتجاه الرملة حتى مركز الشرطة القائم بين اللد والرملة الذي كانت تدافع عنه قوة من الفيلق العربي و الذي كان يبدو من الخارج كحصن

ستة من أبطال الجيش العربي الأردني تطل وجوههم المبتسمة من خيمتهم المقامة على أسوار القدس قبل يوم واحد من استشهادهم
بعض من شهداء الجيش الاردني الذين شاركوا معركة اللطرون باب الواد القدس الشريف بتاريخ 23 مايو عام 1948

واجهت السرية الثانية وسيارات الجيش إطلاق نار كثيف من الطبقة العليا خصوصا الرشاشات المركزة على سطح المبنى، وقذف الجنود الأردنيون قنبلة يدوية، على آلية نصف مجنزرة فانفجرت داخلها و جرحت جميع أفرادها … و قد أصابت الجنود إصابات مباشرة … و بدأ الوضع يثير المخاوف وظهر القلق على وجوه جنود الكتيبة

ثم صدرت الأوامر إلى السرية الأردنية بالانسحاب بعد نفاذ العتاد منهم ووصلوا بصعوبة إلى رام الله بأسلحتهم الفردية

يقول سيد علي العدروس عن انسحاب هذه السرية من مركز  الشرطة : إن هذه الخطوة الجريئة والصعبة تم إنجازها دون فقدان رجل واحد من السرية أو حتى بندقية واحدة . وهو مثال غير عادي أو معركة استثنائية تدلل على الانضباط والمعنويات العالية التي تنسحب على جميع قوات الجيش العربي المسلحة (5)

ويقول علي أبو نوار : في صباح يوم 9 تموز 1948م، تحركت قوة يهودية قوامها لواءان، الأول قدم من شمال المدينتين، و اللواء الثاني تقدم من جنوبهما

وبدأ اللواءان الهجوم الرئيس على المدينتين اللد والرملة يوم 10 تموز 1948م، وكان في هاتين المدينتين (200) مناضل فلسطيني وأردني، و السرية الخامسة مشاة بقيادة الرئيس (أديب القاسم)، أما المناضلون فكانوا بقيادة كل من كاضم بدوي والشيخ فضيل الشهوان (56). تصدت هذه القوات القليلة للقوات اليهودية المهاجمة وتمكنوا من إعاقة احتلال المدينتين معظم ساعات النهار، وأخيرا تمكن اليهود من احتلالهما ما عدا مركز البوليس الذي تجمعت فيه وحوله قوات الجيش العربي وقوات المناضلين ثم يستطرد علي أبو نوار قائلا وفي يومي 11 و 12 تموز 1948م، أمرت سرية الشهيد عبدالله فلاح بالانسحاب، من دير طريف، فاحتل اليهود دیر طريف و بيت نبالا والحديثة، وبن شمس، وجمزو، وعنابة، وبرفيليا، وسلبيت، وعجنجول وهذه القرى تشكل قوس دفاعی و هجوميا في آن واحد لحماية اللد والرملة واللطرون و منطقة رام الله . وجميعها تقع شرق و جنوب شرق اللد والرملة

وهكذا أصبحت الطريق بين (بيت سيرا) و باب الواد، وهي طريق مواصلات اللواء الثالث مع كتائبها مهددة بالقطع. وحدثت معركة في دير طريف يقول دایان إن معركة قوية حدثت بين قوات الكوماندوز اليهودية وقوات من الجيش  العربي الذين تمكنوا من استعادة قمة دير طريف من اليهود و كانت خسائر قوات دایان (9) قتلى و (17) جريحا حملناهم جميعا ولم نترك وراءنا سوى سيارة جيب واحدة محطمة (19). لم يكن القائدان حابس المجالي قائد الكتيبة الرابعة، و القائد عكاش الزبن قائد الكتيبة الثانية يعلمان عما تنويه القيادة البريطانية من عمل مشين . وعندما أراد اشتون مخاطبة أفراد قيادة اللواء عن مضمون خطته وقبل أن يتفوه بأول جملة حتى هجم عليه الجنود و أشهروا أسلحتهم بوجهه، فركب سيارته وولى هاربا إلى قيادة الفرقة في رام الله

وبعد أن هرب اشتون اتصل علي أبو نوار بالقائد حابس المجالي و بالقائد محمود الروسان أركان حرب حابس المجالي، و بالقائد عكاش الزبن و شرح لهم ما حدث، فكان الجواب: نموت في باب الواد ولا ننسحب متر واحد

معركة اللطرون وباب الواد ( معارك البرج، وقولة، وخراب اللحام) 9 – 18 تموز1948

نفذ اليهود القسم الأول من عملية “داني” باحتلالهم اللد والرملة، أما القسم الثاني من هذه العملية، فكان يقصد به مواصلة العملية لاحتلال اللطرون . وعندما أتم بيجال الون سيطرته على اللد والرملة، شن هجوم المرحلة الثانية بخمسة ألوية هدفها الرئيس هو الالتفاف حول اللطرون من الشمال من خلال احتلال (بیت نوبا وبيت سيرا). وهو بهذا يقطع الطريق، ويعزل اللطرون عن رام الله، ويفتح الطريق بين رام الله ونابلس . وفي 15 تموز 1948م، تقدمت القوات اليهودية من اللد عن طريق جمزو، ثم واصلوا تقدمهم فهاجموا في 16 تموز 1948م، البرج و بير معين واحتلوهما ، ولكن الجيش العربي قام بعد ظهر اليوم نفسه بهجوم مضاد عنيف وبعد معركة شرسة تمكن الجنود الأردنيون من طرد القوات اليهودية من البرج . ثم واصلت قوات الجيش العربي التحامها مع القوات اليهودية وأجبرتهم على الانسحاب من (قولة)، بعيدا عن الطريق التي تعبر(بيت سيرا) والتي كانت تحت سيطرة قوات أردنية ذات مستوى عال

حاربت القوات الأردنية المتمركزة في اللطرون و باب الواد ببسالة وشجاعة نادرتين بقيادة الرئيس حابس المجالي وعكاش الزبن، و أحبط الجيش العربي بكفاءة عالية عملية (داني) اليهودية والتي كانت تستهدف احتلال اللد و الرملة ومن ثم احتلال اللطرون ورام الله . لقد نجحت في شقها الأول و فشلت في الشق الثاني، وسجل الجيش العربي بقيادة ضباطه الأردنيين بطولات نادرة . فقد اشتركت العربات المدرعة الأردنية في هذا الهجوم يقودها (حمدان البلوي)، الذي تقدم بثبات نحو (البرج) على رأس قواته

فأصيبت سيارته المسلحة ودمرت تماما، فأصيب و مع ذلك ظل يحارب حتى استشهد، وأخرجت من جسده مئة شظية

 وعن هذا البطل يقول حايم هر زوج : قام الفيلق العربي بأعنف هجماته المضادة طوال الحرب . وقد سجلت تلك المعارك العديد من قصص البطولة، كانت أحداها قصة مجموعة العربات المدرعة التي كان يقودها شاب من البدو وتقاتل بقرية البرج . فبالرغم من إصابته بعدة جراح ظل هذا الشاب يقاتل حتى صارت عربته حطاما لا رجاء فيها، وفي المستشفى استخرجوا من جسده أكثر من مائة جسم معدني

الصورة على اليمين: القدس - احد قادة عصابات اليهود أسير في قبضة رجال الجيش العربي الأردني - عام 1948 م

الصورة على اليسار: صوره نادره للقائد عبدالله التل رحمه الله وموشيه دايان
وذلك بتاريخ 30/1/1948، أثناء توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين الجيش العربي الأردني والقوات الإسرائيلية، والذي جاء بناء على طلب إسرائيل. وقد وقع الاتفاق عن الجانب العربي القائد عبد الله التل، وعن الجانب الصهيوني موشيه دايان
بطل معركة القدس القائد عبد الله التل مع مجموعة من الأسرى اليهود الذين تم أسرهم عقب انتصار الجيش الأردني
بمعركة کفار عصيون عام ١٩٤٨م

يعلق أحد الضباط الانجليز على معركة البرج هذه فيقول : لم أر أكثر هدوءا وأكثر ثباتا و تصميما على هذا التقدم من – خط البداية إلى النهاية، أكثر ثباتا من قوات الجيش العربي . فرغم النيران الكثيفة وشدتها وعنفها، تلك النيران التي كانت أكثر عنفا من تلك التي حدثت في الهجمات الأوروبية في الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك ثبت مقاتلو الجيش العربي الأردني وطردوا اليهود من البرج . بعد أن قتلوا منهم (87) جنديا وجرحوا (74)، أما شهداء الجيش العربي فكانوا (4) وجرح (5) جنود أما الأسرى فكانوا (170) أسير يهوديا.لقد كان المجهود الرئيس للواء (هارئيل) اليهودي موجه ضد مرتفعات اللطرون التي تسيطر عليها إحدى الكتائب الأردنية، بينما كانت الثلاث كتائب الأولى والثانية و الرابعة تتمركز في عموم اللطرون . وقد واجهت قوات ( هارئيل) ضغطا شديد نتيجة لهجوم مضاد قامت به وحدات الجيش العربي في (البرج وبيت سيرا) (وفشلت المحاولة الإسرائيلية للاستيلاء على اللطرون).ويقول حايم هر زوج : قرر ييجال آلون القيام بهجوم جبهوي على اللطرون، وقامت قوات هارئيل باحتلال المرتفعات الواقعة فوق ( بيت نوبا)، بينما شنت قوات (يفتاح) هجومها من الغرب يساندها اللواء الثامن مدرعات على أنه و بسبب خطأ في الاتصال، انسحبت قوات الدعم التي تكبدت خسائر كبيرة بسبب المدفعية الأردنية المضادة للدبابات المنصوبة فوق سطح شرطة اللطرون ولم يصمد المشاة

وكان ذلك آخر محاولة إسرائيلية للاستيلاء على اللطرون وظلت تسد الطريق الرئيس إلى القدس مدى الأعوام التسعة عشر الآتية، حتی سقطت خلال حرب الأيام الستة 1967. أما اسحق رابين فيقول : “ولكن الجيش الأردني شن هجوما معاكسا وتمكن من صد قوات لواء (يفتاح) التي تكبدت خسائر فادحة جدا وأعلن عن (44) جنديا منها كمفقودين”. أما محمود الروسان فيذكر أن القتلى اليهود بلغوا (200) قتيل وعددا كبيرا من الجرحى أما خسائر الجيش العربي، فالشهداء (9) والجرحي (42) بالإضافة إلى (8) مفقودين. ويذكر الملازم الأول عبدالله العايد في تقريره أنه خرج في دورية من الكتيبة الخامسة بتاريخ 18 تموز 1948م في منطقة اللطرون فاصطدم بالعدو اليهودي في معركة شرسة عند قرية (خراب اللحام)  وتمكنت هذه الدورية من الفتك باليهود وأوقعت بهم (32) قتيلا وعددا من الجرحى، ثم عادت الدورية إلى مواقعها دون أن يصاب أحد من إفرادها بأذى  فالشق الثاني من عملية (داني) فشلت تماما، فقد تمكنت سريتان من الجيش العربي من وضع حد لمهمة خمسة ألوية مقاتلة يهودية من ضمنها قوات الكوماندوز الخاصة وما ذلك إلا دليل عملي وترجمة حقيقية لكفاءة الجيش العربي الأردني القتالية وبسالة وشجاعة رجاله ضباط وأفراد الذين كانوا موضع فخر وطنهم وأمتهم و تقدير قائدهم الأعلى الملك عبدالله الأول الذي أرسل في اليوم الثاني للمعركة 19 تموز برقية إلى ضباط وأفراد الكتائب الأولى والثانية و الرابعة يقول فيها : علمت بالتفصيل عن محاربتكم أمس وما قمتم به من بسالة وشجاعة واتقان في فن الحرب مزودين برضانا و توفيق الله و حسن التدريب فصددتم القوات الهائلة التي قصفتكم مدة أربعة عشرة ساعة بدون انقطاع بهجمات و تطهير ، وأني أحمد الله على ذلك و أشكر كل فرد من جيشي و كل ضابط وضباط الصف و الضباط القواد، وأني لشاكركم و فخور ببسالتكم ، وإن بلادي لتشاركني هذا الفخر

  • الهدنة الثانية

بدأت الهدنة الثانية في 18 تموز 1948م، فاستغلها اليهود للراحة وإعادة التنظيم والاستعداد و مع ذلك ففي ظهر18 تموز 1948م، تقدمت قوة مؤللة من القبيبة إلى أسفل الطريق بإتجاه اللطرون في محاولة أخيرة ويائسة، إلا أن الجيش العربي صد هذا الهجوم بعد أن دمر دبابتين و أعطب ثالثة و كانت هذه آخر محاولة لهم (70)

 لم تتمكن الجيوش العربية من الحصول على السلاح المطلوب، ولم تطرأ زيادة كبيرة على تسليحها، وفي المقابل زادت قوة اليهود وتحسن ميزان القوى لصالحهم ) وفي هذا الإطار يقول حاييم هر زوج : على الرغم من هذه النكسة، فقد عزز قتال الأيام العشرة، في إطار عملية داني من موقف القوات الإسرائيلية بما لا يقاس، فقد أصبحت الرملة واللد بمطارها الدولي في أيدي الإسرائيليين، و ابتعد التهديد المباشر عن تل أبيب (72)، وأصبح لدى اليهود في تشرين أول 1948م (80) ألف مقاتل بعد أن وصلتهم إمدادات عسكرية وبشرية من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية من طائرات ودبابات و بوارج حربية، والمهمات العسكرية الأخرى

كانت الهدنة الثانية فرصة استغلها اليهود كي يجلبوا الأسلحة والعتاد الحربي بقدر المستطاع وبالسرعة الممكنة

وأن مقارنة القوات العربية بالقوات اليهودية في هذه الفترة تظهر مقدار التفوق الذي أصبح لليهود من ناحية عديد القوات والأسلحة وأنواعها . أضف إلى ذلك أن اليهود كانوا الأقدر على الدعاية في وسائل الإعلام المختلفة، وصوروا للعالم أن اليهود بقواتهم الصغيرة المتواضعة تحارب هذا الكم الهائل من العرب بأعدادهم وعديدهم وقواتهم الكبيرة

والواقع أن العرب لم يستعدوا للحرب كما استعد لها اليهود منذ إعلان التقسيم 1948م، كما أن بريطانيا سهلت مهمة اليهود في فلسطين ولم تزود الجيوش العربية بالأسلحة الكافية، بل عمدت إلى بذر الشكوك بين العرب أنفسهم

بطل معركة القدس القائد عبد الله التل 
  • القدس أثناء الهدنة الثانية وحتى الهدنة الدائمة

 يقول علي أبو نوار : “إن نصف مليون أردني بقيادة الملك عبدالله، بالرغم من القيود البريطانية شرفوا أنفسهم في ميدان القتال مع أقل الادعاء و الكلام. لم تهزم في معركة، وفتكنا بالعدو كما لم يفعل غيرنا  ونتائج الحرب التي تحملنا عبئها الأعظم تشهد أننا و على صغر شعبنا وضيق مواردنا، وانعدام أي تعاطف عربي معنا، حفظنا بالقتال ما فشل غيرنا في الحفاظ على مثله من أرض و مقدسات”. فقد قاتل رجال الجيش العربي بشرف و بسالة وقدموا تضحيات جسام تعز على الحصر وعن الوصف و قد كبدوا العدو اليهودي المعتدي في كل مرة خسائر جسيمة، وقد فشلت خطة (داني) اليهودية في السيطرة على اللطرون و باب الواد وصولا إلى القدس، ودخلت الهدنة الثانية حيز التنفيذ . وفي تلك الأثناء كان ( الكونت برنادوت)، وسيط الأمم المتحارة ، يسعى لاقرار مقترحاته التي تنص على ما يأتي

أ. يأخذه اليهود الجليل الأعلى مقابل التخلي منطقة النقب جنوب فلسطين

ب. تعاد كل من الرملة و اللد إلى العرب

ج. توضع مدينة القدس ومطار اللد الدولي تحت اشراف الأمم المتحدة

رفض اليهود هذه المقترحات التي رفعها برنادوت إلى مجلس الأمن في 17 أيلول 1948م، وأثناء توجهه إلى القدس، تعرضت له قوة من عصابة (شتيرن) عند حيا القطمون وقتلوه. وكان رد الفعل الدولي لمقتل برنادوت على دولة اليهود صعبا للغاية، فبمقتله تحول تقريره من توصيات إلى وصايا سياسية. ومع ذلك فقد تحدى اليهود المجتمع الدولي، وقاموا بعملية عسكرية على الجبهة المصرية سموها (يو آف بقيادة (بيجال ألون) تهدف إلى فتح ممر إلى النقب، وقطع خطوط المواصلات المصرية على الساحل وطريق بئر السبع – الخليل – القدس، وعزل القوات المصرية هناك.ولتبرير هذه العملية إدعوا أن المصريين كانوا يرفضون رفضا باتا السماح للقوافل الإسرائيلية بالمرور بحرية إلى النقب

يقول (لوب) في كتاب موجه إلى (يمان) في 3 تشرين أول 1948م : أحاول أن أجعل الأردن ينال أكبر قسم من فلسطين ولها ميناء على البحر المتوسط… وشئ آخر بحيفا هو الجيش العراقي فمن المقرر أن يصبح عدیده (20) ألفا في كل من فلسطين والأردن، ولا أدري ما هو موقف حكومة الأردن، وأعلم أنهم لا يعرفون الحقائق، ولكن الوضع ربما يتغير في أية لحظة … وإن انتهت الحرب العربية اليهودية فإننا سنسحب قواتنا من فلسطين و نقدمها على طبق إلى (المفتي). لا اعتقد أن القوة العسكرية الجيش العربي الحالية المكونة من (6389) فردا بالإضافة إلى (2000)كاحتياط فالقوة المعبأة هي (8389) فردا فلدينا و الحالة هذه (12000) رجل من ضمنهم البوليس، ومع ذلك فهذه قوة غير كافية عندما تكون محاطة بمثل هذه المتاعب إذا ترك الأردن لوحدة محاطا بدول معادية هي : السعودية وسوريا واليهود والمفتي فانه سينهار فإن أرادت بريطانيا أن يفي الأردن حيا وقاعدة إستراتيجية فعلى بريطانيا دعمه بقوة كتاب كلوب إلى (بيمان ) رقم الج/ ۳۱ تاريخ ۱۹۶۸/۱۰/۳م (وثائق العمليات الحربية في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية)

ومن هنا أصبحت العمليات العسكرية الإسرائيلية مبررة، وهكذا كان سوء تقدير المصريين لصعوبة الموقف الذي وضعت فيه إسرائيل عقب مقتل برنادوت، سببا لفتح الطريق أمام العمليات العسكرية الإسرائيلية، والتي أدت في نهاية المطاف إلى ازاحة الجيش المصري و هزيمته ويقول الخبير العسكري سيد علي العدروس: إن هزيمة المصريين كانت في المقام الأول نتيجة للقيادة العسكرية غير البارعة و المتوسطة، إن وضع خطوط الدفاع المصرية تؤدي حتما إلى الهزيمة، وخصوصا عندما تكون أمام القوات الإسرائيلية الجيدة و السريعة، لقد كان هناك استخفاف وخطأ بالأوامر. أما الضابط جمال عبد الناصر الذي كان محاصرة بالفالوجة فيقول : فقد خدعنا و جررنا إلى معركة لم نكن مستعدين إليها . وفي كل وقت أصل إلى هذه الدرجة من تخيلي، فإن فكري سوف ينتقل بسرعة فائقة عبر ساحة المعارك إلى حدود مصر  فهناك وطني و بلدي … إنها فالوجة أخرى في دائرة كبيرة

جنود من الجيش العربي يقتادون جنود يهود بعد استسلامهم في القدس 1948
القائد الأردني عبد الله التل في ازقة القدس القديمة قبل تحريرها من عصابات الهجنة و الايرجون الصهيونية
الحاخام اليهودي زيف فيتنزبرغ يرفع العلم الأبيض لجنود أردنيون عند وصوله للخطوط الأمامية لإبداء نوايا الهاغانا بالاستسلام

بدأت الهدنة الثانية مساء 18 تموز 1948م، وساد الاعتقاد لدى معظم القادة العرب أن مجلس الأمن الدولي سينصف العرب والقضية الفلسطينية، وسيعمل على إيجاد تسوية معقولة ترغم اليهود إلى القبول بالتقسيم وإعادة الأراضي التي احتلوها للعرب، والإبقاء على النقب عربية، وإعادة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وأن مجلس الأمن سيفرض التسوية فرضا. والواقع أن العرب كانوا في وضع لا يحسدون عليه، لم تكن لديهم خطة معينة و استراتيجية خاصة بفلسطين، وكانت قيادات جيوشهم متعددة . بينما كان لليهود خطة محددة واستراتيجية واضحة وقيادة واحدة موحدة، وشتان بين الفريقين . فالأمة العربية لم تخرج جميع قواها، ولم تلق بثقلها كله في ميدان الحرب في فلسطين، فالأمة العربية كانت في حالة ذهول لما آلت إليه الأحداث في فلسطين

لم يتوقف إطلاق النار خلال هذه الهدنة على خطوط التماس بين اليهود والجيش العربي، فكان هناك حوادث قنص من الجانبين، وقصف بالمدافع و الرشاشات بين الحين والآخر وفي 21 تموز 1948م، عمل المراقبون الدوليون في القدس على عقد اجتماع بين الأردنيين و اليهود، فكان الوفد العسكري الأردني برئاسة القائد عبدالله التل، أما الوفد العسكري اليهودي فكان برئاسة شالتنيل

وتم التوقيع في هذا الاجتماع على خرائط خطوط الهدنة التي نظمت من قبل المراقبين الدوليين لبيان مواقع الطرفين بالإضافة إلى المناطق الحرام التي تفصل بينهما ، وكعادة اليهود في نقض العهود والمواثيق فقد قاموا بعدة هجمات ضد الجيش العربي في القدس، فقبل بدء الهدنة بيومين قام العدو اليهودي في 16 آب 1948م بشن هجوم مركز على حي الشيخ جراح ورأس المشارف سكوبس حيث تقع الجامعة العبرية ومستشفى هداسا، ومهدوا لذلك بهجوم مدفعي شديد. كان هدفهم الوصول إلى مياه عين فارة التي تزود القدس القديمة بالمياه، إلا أن الكتيبة الثالثة تمكنت من صد الهجوم وكبدتهم خسائر فادحة . ثم عاد اليهود في مساء يوم17 آب 1948م بالهجوم على الأحياء الجنوبية من القدس، وامتد خط قصفهم من منطقة النبي داود حتى صور باهر، بما في ذلك (سلوان و الثوري وجبل المكبر ومواقع القوات المصرية)

وكان تركيز الهجوم على جبل المكبر، فاستولوا عليه بأكمله، واحتلوا موقع القوات الأردنية والمصرية ودار الحكومة والكلية العربية وتم كل ذلك قبل فجر يوم 18 آب1948 م، يوم بدء سريان مفعول الهدنة

إلا أن الكتيبة السادسة بقيادة عبد الله التل قامت بهجوم معاكس في الرابعة من صباح اليوم نفسه متعاونة مع القوات المصرية و مناضلي الجهاد المقدس، و قامت مدفعية الجيش الأردني في رأس العامود بقصف مواقع العدو وساندتها المدفعية المصرية، ما أدى إلى تمزيق القوات اليهودية

وتمكن الجنود الأردنيون من أسر (12) جنديا يهوديا في دار الحكومة وفر الباقون، واستمرت هذه المعركة أربع ساعات و انتهت عند الساعة الثامنة من صباح يوم الهجوم اليهودي أما خسائر العدو في هذه المعركة السريعة الشرسة كما قدرها عبد الله التل بأكثر من (50) قتيلا، وإصابة أكثر من (100) بجراح . أما خسائر الجانب العربي فكانت استشهاد (2) جنديين من الجيش العربي وثلاثة (3) جنود مصريين بالإضافة إلى (5) مناضلين

أدت هذه المعركة إلى أن يقوم الجنرال (رايلي) كبير المراقبين الدوليين بعقد اجتماع في 22 آب 1948م، حضره عبدالله التل عن القوات الأردنية، وأحمد عبد العزيز عن القوات المصرية، وطارق الإفريقي عن قوات المناضلين الفلسطينيين، و موشي دايان عن القوات اليهودية، وبعد نقاش دام يومين وافق اليهود على الجلاء عن المراكز المحيطة بالكلية العربية و وضعت المنطقة تحت إشراف الرقابة الدولية، وتضم هذه المنطقة : دار الحكومة والكلية العربية و المدرسة الزراعية. وتم الاتفاق كذلك على إيقاف إطلاق النار تماما وسحب العسكريين من المنطقة و إزالة التحصينات

لقد خسرنا في معركة باب الواد وحدها امام الجيش الأردني ضعفي قتلانا في الحرب كاملة


رئيس الوزراء الإسرائيلي ومؤسس الكيان الإسرائيلي ديفيد بنغوريون في حزيران عام 1949 امام الكنيست

وفي26 أيلول 1948م وضعت الخرائط اللازمة لتعيين مواقع المنطقة المنزوعة السلاح وتم التوقيع عليها من قبل ضباط الفريقين

وتم ذلك كله بموافقة حكومتي الأردن ومصر، وفي 30 تشرين أول 1948م وقع عبدالله التل و موشي دايان على اتفاقية وقف اطلاق النار الكامل والفعلي في القدس . وبموجب هذه الاتفاقية سمح الجيش العربي لقافلة يهودية تقطع اسبوعية الخطوط العربية إلى (جبل المكبر) و مستشفى هداسا إلى الشرق من القدس لتأمين المؤن اليهود الموجودين فيها والاتصال بهم

 تواصلت الاجتماعات بين عبدالله التل و موشي دايان في 5 كانون ثاني 1949م، وكانت المقترحات الأردنية تتركز حول إيجاد ممر يربط الأردن مصر عبر النقب، أما في إطار القدس فكان الأردن يطالب بالمدينة القديمة كلها باستشاء الحي اليهودي، بالإضافة إلى مطالبته بحي القطمول ، والحي الالماني ، و ضواحي تالبيوت في القدس اليهودية . وقد رفض اليهود المطالب الأردنية وعرضوا الأمر على بن غوريون وطالبوا بوقف المحادثات، إلا أن بن غوريون طلب منهم الاستمرار  وقال: نحن بحاجة إلى السلام، ربما أكثر من الأردنيين

وهكذا استمرت المحادثات في 14 كانون ثاني 1949م، ثم انتقلت من القدس إلى الشونة الجنوبية في 16 كانون ثاني م 1949، حدث ذلك بينما كانت المحادثات تجري في رودس بين مصر وإسرائيل لتوقيع اتفاقية الهدنة الدائمة

ثم حدث لقاء آخر في 30 كانون ثاني1949 م، و لم تؤد هذه المحادثات إلى نتائج ملموسة ، فالهوة كانت سحيقة بين وجهات نظر الطرفين

  • مباحثات الهدنة الدائمة وموضوع المثلث

أجبرت ظروف الحرب على الأرض الفلسطينية وما أحاط بها من مؤامرات دولية وتواطؤ الدول العظمى مع اليهود إلى أن وافقت مصر على عقد محادثات الهدنة في جزيرة رودس بإشراف الأمم المتحدة، وانتهت هذه المحادثات إلى عقد هدنة دائمة بين مصر وإسرائيل في 24 شباط 1949م. ثم لحقت بها دول عربية أخرى على رأسها لبنان الذي وقع اتفاقية الهدنة في 23 آذار1949م. والأردن في 3 نيسان 1949م، وأخيرا وقعت سوريا الهدنة مع إسرائيل في 20 تموز 1949م 89 أما العراق فرفض توقيع هدنة مع إسرائيل لعدم وجود حدود مشتركة بينهما، وفي محادثات رودس كان الوفد الأردني يمثل العراق بشان القطاع الذي كانت القوات العراقية ترابط فيه على الجبهة الأردنية . وقد اعترض اليهود على أن تقوم القوات الأردنية بأخذ المواقع التي ستجلو عنها القوات العراقية، واعتبروا ذلك خرقا للهدنة. ولحل هذا الموضوع اجتمع موشی دایان مع عبدالله التل في القدس في 18 آذار1949م يقول دایان:قلت للتل إننا نريد مدخل وادي عارة جنوبي حيفا، والتلال المسيطرة على هذا الوادي، و السهل الساحلي الضيق، حيث كنا نتعرض إلى عمليات إلهاء من قبل القوات العراقية . وأجاب التل إن مثل هذا التنازل متعذر،و لا يسع القوات الأردنية أن تتراجع إلى وراء الخطوط التي ترابط فيها القوات العراقية

قليلون هم الضباط العرب الذين نالوا إعجاب اليهود، وربما كان الجنرال عبد الله التل هو الوحيد

البروفيسور الإسرائيلي رونين إسحاق، المختص بقضايا الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب

إزاء ذلك كان لا بد من استئناف القتال بين الطرفين لأن كلا أصر على رأيه ولان نابلس والمناطق المجاورة لها تصبح في خطر إزاء المطالب اليهودية، إلا أن اجتماعا آخرعقد بين الطرفين في 22 آذار1949م، قرب بوابة مندلبوم في القدس. ومثل الأردن في هذا الاجتماع وزير العدل فلاح المدادحة، والمدير العام لوزارة الخارجية حسين سراج، وعبدالله التل. ومثل الجانب اليهودي، موشي دايان، و ايتان، و پيغال يادين رئيس دائرة العمليات العسكرية، و حركاوي . و دارنقاش طويل و أصر كل على وجهة نظر و مطالبه . ثم استؤنف الاجتماع في اليوم التالي، والتقى الوفدان بالملك عبدالله وكان بين الأعضاء الأردنيين رئيس الوزراء بالوكالة، ووزير العدل، ووزير التربية (المعارف)، والمدير العام لوزارة الخارجية، وضابط بريطاني يمثل الجيش العربي، وقائد أجهزة الأمن الأردنية . وطالب الأردنيون بعدد كبير من المطالب مقابل تنازلاتهم، وفي الثانية صباحا، انتهت المحادثات بالتوقيع على الخرائط وكان الملك قد انسحب في الحادية عشرة ليلا ونص الإتفاق على أن

أ. تقبل إسرائيل أن يحل الجيش الأردني محل الجيش العراقي

ب. تكون الحدود الفاصلة بين الطرفين كما هو مبين بالخرائط المرفقة (وقد أعطى الخط الجديد اسرائيل (400) كيلمتر مربع من الأرض تضم (16) قرية

ج. تعوض اسرائيل على الأردن في مناطق أخرى . وفي هذا الموضوع على سليمان موسى : إن الأردن [اختار أهون الشرين، ولم يكن اختياره عن رضى، بل كان في الواقع قسرا وإكراها

أما صادق الشرع فيقول : كان لانسحاب الجيش العراقي من الجبهة أثر بالغ الخطورة على الجبهة الأردنية ، وتسبب بالنتيجة بخسران مساحات واسعة من الأراضي والقرى العربية في منطقة المثلث تمكن اليهود من الاستيلاء عليها تحت الضغط والتهديد باستئناف القتال ضد الأردن، ولأنه لا يستطيع الصمود أمام مثل هذا الهجوم لوحده بعد انسحاب الجيش العراقي. ووقع الاتفاق النهائي في 31 آذار 1949م ووافق عليه مجلس الوزراء بالإجماع، والأرض التي حصلت عليها إسرائيل كانت تؤلف شريطا يتراوح عرضه كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات على جبهة طولها (180) كيلومترا. ونصت الاتفاقية على تعديل الخط العسكري في منطقة الخليل – البحر الميت لصالح الأردن كتعويض عن أراضي المثلث، على أن يبقى سكان المثلث في قراهم، ونقلت الاتفاقية إلى رودس ووقع عليها هناك بحضور الوسيط الدولي رالف بانش في 3 نيسان 1949م

يقول دايان: ووقع خرائط اتفاقية الهدنة الأردنية – الإسرائيلية جون باجت كلوب قائد الجيش العربي، ووقعها عن الجانب الإسرائيلي موشي دايان. دارت مفاوضات بين دايان و عبدالله التل أسفرت عن قبول الأردن إطلاق سراح الأسرى اليهود وعددهم (702) من بينهم (89) فتاة، وبالمقابل أطلق اليهود سراح نحو خمسة آلاف عربي من المدنيين الفلسطينيين الذين اعتقلوهم أثناء استيلائهم على المدن والقرى الفلسطينية بحجة أنهم في صفوف المناضلين، و أطلق اليهود كذلك سراح أربعة أسرى من الجيش العربي الأردني . أما دایان فيقول بأن عدد أسرى الجيش العربي (12) جنديا، أما أسرى اليهود فهم (670) فردا، بينهم (85) امرأة (1)

المراجع

القيادة العامة | القوات المسلحة الاردنية الجيش -العربي, حرب 1948م

Previous:
حرب 1948م – جزء: 2
Next:
تاريخ الشماغ الأردني – صناعة الشماغ الأردني