المملكة الأردنية المؤابية، جزء: ١١ –  المعالم التاريخية والأثرية

على الرغم من أن الحفريات الأثرية في الأردن لم تكشف عن مدينة مؤابية متكاملة حتى الآن، فإن الآثار التي تم العثور عليها تشير بوضوح إلى حضارة عظيمة. تتنوع هذه الاكتشافات بين المعابد، المنازل، التحصينات، والقطع الأثرية، مما يقدم لمحات عن الحياة اليومية في المملكة الأردنية المؤابية. سنتناول أبرز المواقع التاريخية التي تعكس إرث هذه المملكة العريقة، ونتعرف على المعالم العمرانية والكتابية التي شهدت ازدهار تلك الحقبة

مدينة الكرك - الأردن 


على الرغم من عدم وجود مدينة أثرية متكاملة العناصر تعود إلى أجدادنا الأردنيين المؤابيين، وهو أمر طبيعي، ومع محدودية أعمال التنقيب الأثري، إلا أن هناك بعض الآثار المكتشفة التي تعود إلى المملكة الأردنية المؤابية

الآثار العمرانية

المنازل

اكتشف المنقبون الآثاريون العديد من أسوار المدن في مواقع متعددة تعود للمملكة الأردنية المؤابية، كما عثروا داخل هذه الأسوار على بيوت ذات تصميمات متشابهة. تتكون معظم هذه المنازل من ساحة داخلية تحيط بها غرف عدة، بعضها بني بالحجارة والبعض الآخر بالطين اللبن، واستخدم في بنائها مواد للقصارة مثل الشيد. كما لوحظ أنها مبنية أحياناً مباشرة على الأرض، وفي حالات أخرى كانت الأرضية مرصوفة بالحجارة أو الملاط. وقد انتشرت هذه الآثار في عدة مواقع منها: جبل نيبو، أدر، بالوع، عراعر، الكرك، ذيبان، مادبا، خربة المدينة

المعابد

في منطقة ذيبان، التي كانت عاصمة المملكة الأردنية المؤابية لفترة طويلة، عثر المنقبون على بقايا بناء ضخم تحتوي على آثار مباخر، مما يشير إلى أنه كان معبداً. ويُحتمل أن يكون هذا المعبد هو الذي أمر الملك الأردني المؤابي ميشع ببنائه

التحصينات

توزعت التحصينات في المملكة الأردنية المؤابية بشكل واسع ضمن حدودها، مع تركيز ملحوظ في المناطق الشرقية، مثل موقع الثمد. ويعتقد أن هذه التحصينات شُيّدت لمواجهة القبائل البدوية القادمة من الصحراء الواقعة شرق المملكة. تألفت التحصينات من عدة أبراج تكوّن بمجملها قلعة، وشيدت باستخدام الحجارة البازلتية السوداء المتوفرة بكثرة في البادية الأردنية المؤابية، بينما صنعت بواباتها من الحجارة الكلسية البيضاء. وقد تم العثور على عدد من تاجيات الأعمدة التي تعود إلى تلك الحقبة، ويشار إلى أن الفرنجة أعادوا استخدام هذه التاجيات في بناء قلعة الكرك

المدافن

تتركز معظم المدافن الأردنية المؤابية في منطقتي ذيبان وجبل نبو، حيث كانت تنحت في الصخر وتتميز بوجود دكة أمامها. كما تم العثور على مدافن أخرى ذات مداخل معززة، تتقدمها درجات تؤدي إلى حجرة دفن رئيسية مقسمة إلى عدة حجرات غير متناسقة في تصميمها. إضافة إلى ذلك، تضمنت بعض هذه المدافن ما يشبه المقاعد العامة، مع وجود حجرة دفن كبيرة مركزية تحيط بها باقي الحجرات

الآثار الكتابية

مسلة ميشع

تعد مسلة ميشع حجرًا بازلتيًا أسود على شكل قوس، يبلغ ارتفاعها ١٢٤ سم وعرضها ٧١ سم. هذه المسلة تخلد انتصارات وإنجازات الملك الأردني المؤابي ميشع، حيث سجل فيها ٣٤ سطرًا تحكي عن إعادة بناء الدولة وتعمير المدن، إضافة إلى إنشاء المعابد وتنفيذ إصلاحات زراعية بعد انتصاره على العبرانيين. كما تتحدث عن طردهم من مملكته ومطاردتهم، والاستيلاء على جزء من أراضيهم. وقد استفاد الباحثون من دراسة هذه المسلة في عدة مجالات، منها تحليل الوضع السياسي والاجتماعي في تلك الفترة، ودراسة اللغة الأردنية المؤابية وتراكيبها، فضلاً عن الخط الأردني المؤابي

مسلة ميشع، متحف اللوفر - باريس

مسلة الملك كموشيت

الملك كموشيت كان ملكًا مؤابيًا من الأردن، وهو والد الملك المؤابي ميشع. تم اكتشاف جزء من مسلة حجرية تعود له خلال الحفريات الأثرية، حيث تحتوي على أربعة سطور، بينما لم يتم العثور على باقي المسلة حتى الآن

نقش مؤابي من الكرك (النصف الأول أو الثاني من القرن التاسع قبل الميلاد)

نقش مؤابي
"كمشيت ملك موآب الديبوني"
"كيموش في التضحية، لأنني أحببت في معبد"
"وإذا أنا صنعت"
www.mnamon.sns.it :المصدر

اكتشف هذا النقش في الأردن سنة 1958، وهو محفور على صخر بازلتي رمادي مائل إلى السواد، ويرجح أن يكون قد نقش في منتصف القرن التاسع قبل الميلاد، إما على يد الملك ميشع نفسه أو والده كموشيات. يتميز سطح الحجر بأنه مصقول بعناية، بينما تغطيه في الأسفل زخارف متموجة، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأن اللوحة أعدت خصيصًا لهذا الغرض، وربما كانت في الأصل جزءًا من لوحة مقسومة نصفين تمثل شخصًا أو هيئة واقفة. نجد ما يشبه ذلك في أمثلة موازية مثل حجارة الجنازات الآرامية في نيراب (القرن السابع ق.م)

أما الكتابة فهي منقوشة بدقة، وتشبه من حيث الأسلوب النقوش الموجودة على حجر ميشع، إذ تتميز على وجه الخصوص بشكل حرف هـ المؤلف من أربع ضربات جانبية

ويبدو أن النقش ذو طابع احتفالي (ربما إهداء)، إذ يعدد فيه الملك أعماله بأسلوب سيرة ذاتية. وبالاعتماد على أوجه التشابه مع السطر الأول من حجر ميشع، يرى بعض الباحثين أن النص ربما كان يقرأ على النحو التالي: “أنا ميشع، ابن كموشيات…”، كما يظهر في بداية السطر الأول

ختم كمشير (القرن الثامن قبل الميلاد)

ختم كمشير
إلى اليسار (من الأسفل إلى الأعلى): LKM
إلى اليمين (من الأسفل إلى الأعلى): Š′R
"(ينتمي) إلى كمشر"
www.mnamon.sns.it :المصدر

هذا الختم على شكل خنفساء، مثبت من البرونز، يحمل صورة إنسان مجنح يرتدي تنورة، التأثير المصري واضح

ختم كمشنتن (القرن السابع قبل الميلاد)

ختم كمشنتن
1: KMS 2: NTN
"كمشنتن"
www.mnamon.sns.it :المصدر 

يحمل هذا الختم المستدير المصنوع من اللازورد اسم صاحبه، كيموش-ناتان (أي الإله الذي وهب كيموش). قد يشير اكتشافه في أور إلى أن الرجل عاش هناك. أما ما إذا كان قد استقر في أور تاجرًا، أو مهجرًا، أو سليلًا للمهجرين، فلا يزال غير واضح

مذبح حجري أسطواني من عطروز (القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد)

مذبح بخور حجري أسطواني اكتشف عام ٢٠١٠ في سياق ثقافي في خربة عطاروز – مادبا في الأردن. يحتوي على سبعة أسطر من النصوص المؤابية في نقشين منفصلين، يؤرخون من الناحية القديمة إلى أواخر القرن التاسع وأوائل القرن الثامن قبل الميلاد: يسجل الأول كميات صغيرة من المعدن، ربما لأغراض ثقافية، بينما يظهر الثاني غموضًا أكبر، ويبدو أنه تذكاري أو إهداء، ويستخدم كلا النقشين أرقامًا هيراطيقية

الفخار

فخار مؤابي

عثر على بقايا فخار مؤابي في مواقع متعددة مثل الكرك، جبل نيبو، وذيبان وغيرها. وتميزت الأواني الفخارية الأردنية المؤابية بتنوعها، حيث شملت الزبادي العميقة ذات الأرجل الثلاثة، والأباريق الكبيرة والصغيرة، والتي غالباً ما زُيّنت بزخارف على شكل أشرطة عريضة تفصل بينها مثلثات. كما كُشف عن قارورة ذات تصميم فريد يشبه الجزرة، يعتقد أن شكلها تأثر بالثقافة الآشورية

إلى جانب الأواني الفخارية، أسفرت الحفريات الأثرية عن دمى فخارية تعود إلى الملكة الأردنية المؤابية، وقد جاءت هذه الدمى في أشكال مختلفة تعكس ملامح تلك الفترة

دمى إلهة الخصوبة

كانت الدمى الفخارية التي تمثل إلهة الخصوبة الأردنية المؤابية “عشتر-كموش” تشكل في هيئة امرأة تحمل على صدرها رمزًا مقدسًا. تميزت هذه الدمى بآذان كبيرة، وذقن مدببة، ووجنات بارزة، مع فم مفتوح قليلاً. وكانت عيونها واسعة ومستديرة، وحواجبها مرتفعة، ويتدلى من رأسها خصل شعر بارزة. وقد انتشرت هذه الدمى في عدة مواقع ضمن المملكة الأردنية المؤابية، مثل خربة موسى، وخربة المدينة، ووادي الثمد، وبالوعة

دمى على شكل رجال

تم العثور على حفرية أثرية في خربة المدينة، أحد المواقع الأثرية التي تعود إلى المملكة الأردنية المؤابية قرب الكرك، حيث اكتشفت دمى فخارية تمثل رجلاً، يُرجح أنها تصور ملكاً أو إلهاً أردنياً مؤابياً. وتظهر هذه الدمى تشابهاً كبيراً مع تماثيل ملوك أردنيين عمونيين تم العثور عليها في ربة عمون – عمان

دمى على شكل حيوانات

تم العثور على العديد من الدمى الفخارية الأردنية المؤابية المصنوعة على هيئة حيوانات، حيث تمثلت بعض الدمى في شكل حصان، وأخرى في شكل رأس كبش. كما وُجدت دمية تصور وعلًا بقرون مكسورة، تظهر عليها علامات لجام ممتدة من قرونه المكسورة إلى رقبته

دمى فخارية على هيئة حيوانات
قطع حجرية من ذيبان

اكتشف الباحثون في تل ذيبان قطعاً حجرية بازلتية متفرقة تحمل نقوشاً بالخط الأردني المؤابي. في البداية، ظن الدارسون أن هذه القطع ما هي إلا أجزاء من مسلة الملك الأردني المؤابي ميشع، غير أن تحليل النصوص المنقوشة أثبت عكس ذلك، حيث تبيّن أن هذه الحجارة تحمل نصاً مختلفاً تماماً يعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد. وتمكن الباحثون من قراءة أول ستة حروف منه، وهي: “اسوح بنت كمش”، ويعتقد أن هذه النقوش توثق إنجازات معمارية لبعض ملوك مؤاب الأردنيين

تعد هذه القطع الحجرية، إلى جانب مسلة ميشع ومسلة والده كموشيت، دليلاً واضحاً على اهتمام الملوك الأردنيين المؤابيين بتوثيق إنجازاتهم على مسلات حجرية. ونأمل أن تسفر الحفريات الأثرية القادمة عن اكتشاف المزيد من هذه النقوش التاريخية القيّمة

مواقع تاريخية

 قير مؤاب (الكرك)

بنى الأردنيون المؤابيون الأوائل عاصمتهم الأولى “قير مؤاب” فوق هضبة الكرك، التي ترتفع عن سطح البحر ٩٥٠ مترًا، في موقع طبيعي محصن يصعب الوصول إليه. وتميزوا بمهارتهم في تحويل هذه المنطقة ذات التضاريس القاسية إلى مدينة حضارية ينعم سكانها بالرفاهية والأمان. قاموا بشق الصخور وحفر الأنفاق لجر المياه إلى داخل المدينة، كما حصنوها من الجنوب والجنوب الشرقي بحفر خندق ضخم يعوق أي محاولة لاختراقها. واليوم، تقوم قلعة الكرك على أطلال تلك المدينة العريقة

مديبع

تم العثور في هذا الموقع على بقايا حصن أردني مؤابي يطل على منطقة محيا، ويعد من الحصون التي كانت تحمي الحدود الشرقية للمملكة الأردنية المؤابية

الربة (ربة مؤاب)

تعرف مدينة الربة، التي كانت تسمى ربة مؤاب، بتاريخها العريق. تقع المدينة جنوب لواء القصر في محافظة الكرك، وهي بلدة غنية بالآثار التي تعود إلى مختلف العصور. تتمتع الربة بأهمية استراتيجية دفاعية كبيرة، حيث تُشرف على وادي الموجب والبحر الميت، كما يمر عبرها الطريق التجاري الملوكي. علاوة على ذلك، كانت الربة من أبرز المدن الزراعية بفضل موقعها في سهل واسع وخصب التربة

خربة مدينة الراس

خربة مدينة الراس هي موقع أثري يقع على قمة معزولة من جميع الجهات في جنوب غرب مدينة الكرك. تعد هذه الخربة حصنًا من ضمن سلسلة الحصون التي كانت تحمي الهضبة المؤابية من الجهة الجنوبية الغربية

المسناه

المسناه هو موقع أثري يقع في شمال شرق الربة، ويتميز بكونه استمر مأهولًا بنفس الأسلوب المعماري منذ العصر الحديدي وحتى العصر البيزنطي دون انقطاع

خربة بالوعة

تقع خربة بالوعة شمال محافظة الكرك، وتضم قلعة أردنية مؤابية كانت تهدف إلى حماية الطريق الملوكي الذي يمر عبر وادي الموجب (أرنون). كما تم العثور فيها على “لوحة بالوعة” الشهيرة، التي تعد من أبرز المكتشفات الأثرية في المنطقة

قصر أبو الخرق

يعد قصر أبو الخرق، أو القلعة الحجرية، أحد المعالم الأثرية الواقعة في منطقة قاحلة على الحدود الشرقية للمملكة الأردنية المؤابية. شيد القصر لحماية الحدود الشرقية، وعثر في محيطه على عدة آبار مائية، مما يعكس أهميته في تأمين المنطقة المحيطة به

مادبا (ميدبا)

تعد مدينة مادبا الحالية واحدة من أبرز المدن الأردنية المؤابية، حيث تم ذكرها في مسلة ميشع. ورغم تعرض الآثار المؤابية في المدينة للتخريب منذ فترات طويلة، إلا أنها ما زالت تحتفظ باسمها المؤابي الأردني. كما تم اكتشاف العديد من القبور التي تعود إلى عصر مملكة مؤاب الأردنية

خربة التلساح (التلساه)

تعتبر خربة التلساح من أبرز المناطق الزراعية منذ العصور البرونزية، وتقع في جنوب شرق الكرك. وقد عثر المنقبون في الحقول الزراعية الواسعة المحيطة بها على العديد من الكسر الفخارية التي تعود إلى المملكة الأردنية المؤابية. وتتميز هذه المدينة بكونها لا تحتاج إلى تحصينات ضخمة، نظراً لموقعها في وسط البلاد بعيداً عن أي تهديدات خارجية

المراجع

د . احمد عويدي العبادي – كتاب المملكة الأردنية المؤابية، عمان – الأردن
إرث الأردن، المملكة الأردنية المؤابية – الآثار
 “The Archaeology of the Jordanian Highlands” by Lawrence T. Geraty
“Moab in the Iron Age: The Archaeology of the Moabite Kingdom” by John W. Crowfoot
“Ancient Jordan: A Historical Overview” by Fawzi Zayadine
د. زيدان عبد الكافي كفافي (2006 )، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة ( العصور البرونزية و الحديدية) ، دار ورد ، عمان
Mnamon, Ancient writing systems in the Mediterranean
Moabite (9th-6th century BC)

Previous:
المملكة الأردنية المؤابية، جزء: ١٠ – مسلة ميشع 
Next:
المملكة الأردنية المؤابية، جزء: ١٢ –  الملك ميشع، رمز الفداء وقائد النهضة في تاريخ مؤاب