مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ١ – من هم الأنباط؟
تعد مملكة الأنباط واحدة من أبرز الممالك التي ازدهرت في الشرق القديم، حيث امتدت من عام ٤٠٠ ق.م حتى ١٠٦ م. تميزت مملكتهم بموقعها الاستراتيجي بين الجزيرة العربية وبلاد الشام، وكان لها تأثير كبير في المنطقة. من خلال دراسة تاريخ الأنباط، يمكننا أن نفهم ارتباطهم العميق بجغرافيا وثقافة المنطقة، وأصولهم التي تعود إلى قبائل عربية أردنية بدوية
المملكة النبطية
تعد المملكة النبطية، التي امتدت بين عامي٤٠٠ ق.م – ١٠٦ م، واحدة من أبرز الممالك التي شهدها الشرق القديم. عاصمتها الشهيرة، (سلع /الرقيم /البترا) كانت مركزًا ثقافيًا وتجاريًا هامًا، حيث برزت الهندسة المعمارية الفريدة التي تميزت بالأبنية المنحوتة في الصخور. نظام الحكم في المملكة النبطية كان ملكيًا، حيث كان الملك يتولى السلطة السياسية والدينية في آن واحد. اللغة الرسمية التي استخدمها الأنباط كانت اللغة العربية النبطية، بينما كانت الآرامية النبطية تستخدم في الكتابة والتواصل الرسمي. تميزت هذه اللغة بالتنوع بين الكتابة الآرامية النبطية والحديث بالعربية النبطية، مما يعكس تأثيرات ثقافية متبادلة مع الشعوب المجاورة. أما الديانة في المملكة النبطية، فقد كانت وثنية، حيث عبد الأنباط عددًا من الآلهة التي تمثل الطبيعة والقوى السماوية، وكانوا يمارسون طقوسًا دينية خاصة بهم
أسماء البترا عبر العصور
في زمن الأدوميين
كانت المدينة تعرف باسم سَلَع خلال العصر الأدومي. ويرتبط هذا الاسم بمعنى “الصخرة”، وهو معنى ينسجم تمامًا مع طبيعة المدينة القائمة وسط جبال صخرية شاهقة والمنحوتة في حجر الرمّان الوردي
في الفترة النبطية
كان الاسم الأصلي لدى الأنباط هو رَقْمُو. وتشير بعض المصادر إلى اسم الرقيم، وهو اسم متوافق لغويًا مع رقمو، ويرجح أنه كان يستخدم للدلالة على الموقع ذاته. ويعد هذا الاسم شاهدًا على الهوية العربية للمدينة قبل دخول المصطلحات اللاتينية واليونانية إليها
البترا
الاسم الشائع عالميًا Petra ذو أصل يوناني. وكلمة تعني “الصخرة”، وهي ترجمة حرفية لاسم سلع ورقمو، ما يؤكد أن الإغريق أطلقوا الاسم بناءً على الطابع الجيولوجي الفريد للمدينة، حيث نحت الأنباط مبانيهم وقصورهم ومقابرهم مباشرة في الصخور الوردية
كيف عرف المؤرخون اسم البترا؟
يعتمد الباحثون المعاصرون على سرديات مؤرخين وجغرافيين يونان ورومان وصفوا المنطقة خلال فترة ازدهار الأنباط. ومن أبرز هذه المصادر
- سترابو (Strabo) – الجغرافي اليوناني
ذكر المدينة باسم “بترا” في كتابه الجغرافيا. وقد وصفها بأنها مدينة قائمة على أرض مستوية تحيط بها الجبال الحصينة، وأشاد بتنظيم الأنباط وتجارهم وثرواتهم
- بليني الأكبر (Pliny the Elder) – عالم الطبيعة الروماني
وصف الأنباط بأنهم يقيمون في مدينة تسمى البترا، تقع في منخفض محاط بالجبال، وأشار إلى ازدهارها التجاري وموقعها المركزي
- ديودوروس الصقلي (Diodorus Siculus) – المؤرخ اليوناني
تحدث عن حملات أنتيغونس ضد الأنباط، وذكر المنطقة باعتبارها قاعدة مهمة لهم، ما يدل على مكانتهم السياسية في القرن الأول قبل الميلاد
- بطليموس (Ptolemy) – العالم الجغرافي والفلكي
أدرج المدينة باسم البترا في خرائطه الجغرافية في القرن الثاني الميلادي، مؤكداً استمرارية استخدامها خلال الحقبة الرومانية
من هم الأنباط؟
كان أصل الأنباط موضع نقاش واجتهاد بين الباحثين والمختصين، إذ كشفت الآثار المعمارية في مدنهم عن حضارة متقدمة، خاصة في المجال العمراني. تبرز هذه الحضارة في الأبنية المنحوتة في الصخر، والقصور والفلل المشيدة من الحجر المشذب، إلى جانب أنظمة الري المتطورة التي تعكس عبقرية هندسية فائقة
وتعددت الآراء حول اسم “الأنباط” واشتقاقه. يذكر ابن منظور أن “النبط” هو الماء الذي يخرج من البئر، كما يشير إلى أنه ما يتجلب من الجبل، كأنه عرق من عروق الصخر. وفي “تاج العروس”، ورد أن “النبط” يشير إلى جيل يسكن البطائح في بلاد الرافدين
اجتهادات حول أصول الأنباط
تباينت الاجتهادات حول أصول الأنباط، إذ رجح البعض أنهم قدموا من الساحل الغربي للخليج العربي، بينما أشارت اجتهادات أخرى إلى أنهم جاؤوا من جنوب بلاد الرافدين، مستندين إلى ورود اسم “النبطيين” بين القبائل الرافدية، خاصة في كتب الإخباريين المسلمين. غير أن هؤلاء النبط يختلفون عن أنباط العرب، فهم أعاجم رغم تحدثهم باللغة الآرامية، واشتهروا بالزراعة واستنباط المياه من الأرض، مما أدى إلى خلط الإخباريين المسلمين بينهم وبين الأنباط. كما تشير بعض النصوص التاريخية (بليني) إلى أن الأنباط استوطنوا جزيرة في البحر الأحمر قبل أن يطردهم الأسطول المصري، وهو أمر مثير للدهشة، إذ يعرف الأنباط بارتباطهم الوثيق بالصحراء والقوافل التجارية
ومن المحتمل، وفقًا للعديد من الباحثين، أن يكون الأنباط فرعًا من قبائل ثمود المذكورة في القرآن الكريم (سورة الحجر)، والتي كانت منتشرة في وسط الجزيرة العربية وشمالها. وتؤكد النقوش المكتشفة في مناطق مختلفة من الجزيرة العربية هذا الانتشار الواسع لتلك القبائل، مما يدعم الفرضية القائلة بأن الأنباط امتداد طبيعي للثموديين، خاصة في ظل ما وجد من تراث ديني نبطي متعلق بأسماء الآلهة. فالوجود النبطي المتأخر في شمال عرب الجزيرة العربية وحتى جنوبي بلاد الشام وشرقيها يعتبر امتدادا طبيعيا لوجود الثموديين
الأنباط و أصولهم الأدومية
ويرجح أن استقرار الأنباط في المناطق الأدومية الأردنية بدأ خلال الفترة ما بين عامي ٥٥٢ و٥٤٤ ق.م، وهي نفس الفترة التي تشير إليها بعض الدراسات. وتعزز هذه النظرية الحفريات التي أجرتها كريستال بنت في مدينة بصيرة (في محافظة الطفيلة)، عاصمة الأدوميين. ومن المرجح أن الأدوميين واجهوا نهايتهم على يد الملك نابونئيد خلال حملته الشهيرة، التي وثقها على حجر “سيلع” عام ٥٥٣ ق.م، عقب إخضاعه لبصيرة. وتشير هذه اللوحة إلى غياب أي كيان سياسي للأنباط في ذلك الوقت، لكن ذلك لا ينفي وجودهم كقبائل بدوية عاشت تحت حكم الأدوميين، قبل أن يتمكنوا لاحقًا من فرض سيطرتهم على المنطقة وتأسيس دولتهم
للبحث في تاريخ الأنباط وأصولهم، لا بد من دراسة تاريخ أسلافهم وعلاقتهم المحتملة مع الأدوميين، إذ شكلت منطقة الأدوميين النواة الجغرافية لدولة الأنباط. وقد قامت مملكة الأدوميين في جنوب شرقي الأردن، بين وادي الحسا وخليج العقبة، خلال الفترة الممتدة من القرن التاسع قبل الميلاد حتى الغزو الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد
تشير الدلائل إلى أن الأدوميين كانوا أيضاً متمركزين في جنوبي فلسطين، خاصة في صحراء النقب، حيث تم العثور على العديد من الآثار الأدومية، مثل موقع عراد. كما شملت مناطق نفوذهم مدين، وتيماء، ومنطقة الحجر شرقي البحر الأحمر. وقد أظهرت النقوش الأثرية استمرار استخدام الكتابة الأدومية حتى العصر الهلنستي، حيث عثر على كسرتين من الفخار تحملان نقوشًا أدومية، الأولى في تل الخليفة، والثانية في موقع قلعة العزى جنوب تل عراد، غرب البحر الميت في فلسطين. حملت الكسرة الأولى أسماء مثل “قوس بنا”، و”قوس نداب”، و”بي قاقس”، بينما ورد في الثانية نص يشير إلى أوامر بإحضار طعام إلى أحد المذابح
كما كشفت الحفريات الأثرية في أم البيارة وطويلان بالقرب من البترا عن وجود استيطان أدومي يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، مما يدل على تجاور الاستيطان الأدومي والنبطي. ويرجح أن الأنباط استقروا تدريجياً بين الأدوميين، الذين لم يعارضوا وجودهم، بل اندمجوا معهم بمرور الزمن. ويقترح جلوك أن الأنباط، من خلال علاقات الدم والمصاهرة، لم يلجؤوا إلى الحرب أو الاحتلال لطرد الأدوميين والمؤابيين، بل استوعبوهم داخل مجتمعهم النبطي الأوسع. كما تبنوا أساليب الدفاع والتنظيمات التي طوّرها المؤابيون والأدوميون عبر مئات السنين، وعملوا على تطويرها لتعزيز كيانهم السياسي والعسكري
ورث الأنباط العديد من الأبنية، فقاموا بتحسينها أو ترميمها وفق رؤيتهم، وفي بعض الحالات أبقوها على حالها كما وجدوها. إلى جانب ذلك، أنشأوا العديد من المصاطب الزراعية والسدود والبرك المائية، وأقاموا مئات المستوطنات الزراعية إلى جانب المستوطنات القائمة سابقًا. ومع توسع مملكتهم، ورثوا العديد من الدويلات والمشيخات السابقة، مما منحهم امتدادًا جغرافيًا وديموغرافيًا واسعًا شمل مدين القديمة وتيماء والحجر في الجزيرة العربية. وقد عرفت هذه المناطق بحضارات موثقة قبل وصول الأنباط، الذين بنوا فوق ما تركته تلك الحضارات من إنجازات. كما امتد التمازج الديموغرافي إلى حدود سيناء عبر النقب الفلسطيني، الذي حفظ لنا آثارًا مهمة تعود إلى العصر النبطي
ويذكر الدكتور أحمد عويدي العبادي أن المملكة الأدومية في الأردن شهدت فراغًا سياسيًا واجتماعيًا، مما أتاح للأنباط فرصة السيطرة على الحكم. وفي الوقت ذاته، تحركت القبائل الثمودية الأردنية من الشرق لسد هذا الفراغ، خشية أي احتلال أجنبي قد يهدد المملكة الأدومية. ونتيجة لذلك، أصبحوا جزءًا من مملكة الأنباط التي تولت الحكم، رغم أنهم (أي الأنباط) كانوا في الأصل من رعايا الأدوميين
فقد ظهر الأنباط لأول مرة في السجلات التاريخية في القرن السادس قبل الميلاد، وأسسوا مملكتهم في أراضي مملكة إدوم بحلول النصف الأول من القرن الرابع قبل الميلاد. سرعان ما التف الأردنيون حولهم بسبب عاداتهم في النظام الملكي الانتخابي والإدارة المستقرة. وصلت مملكة الأنباط إلى ذروتها في زمن الملك الحارث الرابع
وهناك طرح منطقي آخر حول التركيبة الديموغرافية للأنباط يقدمه العديد من الباحثين، وهو أن الأنباط تقاسموا المناطق التي استوطنوها خلال فترة المملكة النبطية مع قبائل أخرى متعددة. ووفقًا لهاموند، فمن المحتمل أن “نبطو” كانت عبارة عن اتحاد يضم عددًا من القبائل الحليفة التي توحدت تحت راية أقوى قبائل هذا الاتحاد. بل إن هذا الاتحاد لم يقتصر على القبائل فحسب، بل شمل أيضًا وحدات إقليمية صغيرة أدركت أهمية الانضمام إليه لضمان بقائها وازدهارها
ويذهب عدد من المؤرخين إلى الربط بين الأنباط والأدوميين، سواء من ناحية الأصل أو من حيث الامتداد التاريخي. فقد ذكر المؤرخ والجغرافي اليوناني استرابو (64 ق.م – 24 م) في مؤلفه الجغرافيا أن الأنباط تعود أصولهم إلى الأدوميين
كما أشار المؤرخ الأمريكي ديفيد فرانك غراف في كتابه روما والحدود العربية: من الأنباط إلى الساراسين إلى أن الأنباط كانوا على صلة وثيقة بالأدوميين، وأن تأثيرهم كان حاضرًا في تحوّل الأنباط من قبائل بدوية إلى مملكة قائمة بذاتها
أما المستشرق والأكاديمي إيرفين شاهيد، أستاذ الدراسات العربية والإسلامية في جامعة جورجتاون، فقد رأى أن الأدوميين شكلوا جزءًا من المكون العربي الثمودي في الأردن، وأن الأنباط انبثقوا عن هذا المكون. وقد عرض ذلك في دراسته حول “الأصول الإثنية للأدوميين”، حيث تناول العلاقة المحتملة بين الأدوميين والأنباط
وفي السياق ذاته، يقدم المؤرخ الأردني الدكتور أحمد عويدي العبادي طرحًا متسلسلًا للجذور التاريخية، فيرى أن الثموديين الأردنيين انحدر منهم الحوريون، ومن الحوريين تفرع الأدوميون، ومن الأدوميين نشأ الأنباط الذين أسسوا لاحقًا مملكتهم الشهيرة
ولا يمكن إغفال الامتداد الجغرافي والديموغرافي الواسع للدولة النبطية، مما يؤكد التنوع الكبير في أصول سكانها. وقد انعكس هذا التنوع لاحقًا في سياسات الانفتاح والتسامح التي انتهجها الأنباط تجاه الأجانب الذين عاشوا بينهم في الرقيم (البترا) وغيرها من المناطق. ومن المرجح أن بعض التجار الذين استقروا في الأراضي النبطية قد تزاوجوا مع الأنباط واندمجوا في مجتمعهم

المؤرخ اليوناني سترابو يبين أن الأدوميين هم الأنباط
كما أن هناك العديد من الشواهد التي تؤكد هذا الانفتاح والتعددية، ومنها التأثيرات المعمارية الواضحة المستمدة من الحضارات الكبرى المجاورة، كالمصرية والهلنستية والفارسية والآشورية. كما يظهر ذلك جليًا في استخدام الأنباط للغات أخرى إلى جانب لغتهم الأصلية، خاصة الآرامية واليونانية. فقد كانت الآرامية هي اللغة السائدة في التعاملات التجارية والرسمية والدينية، ومع تصاعد التأثير الهلينستي بدأت اليونانية تكتسب أهمية متزايدة، حتى تفوقت على الآرامية وأزاحتها بالكامل، قبل أن تحل محلها لاحقًا اللغة الرومانية
ومن كل ما سبق، يمكن استنتاج أن الأنباط كانوا النواة الأساسية للتحالف أو التجمع الذي تطور لاحقًا ليعرف باسم الأنباط. كما يستدل أيضًا على أن هؤلاء الأنباط، بكل مكوناتهم البشرية والثقافية، لم يكونوا سوى قبائل عربية اردنية يجمعها أصل مشترك وقيم وتقاليد متقاربة، مما سهل اندماجهم وتشكيلهم لدولة مركزية في المنطقة
الأدلة الأثرية، الدينية والجينية على أن الأنباط امتداد للأدوميين والسكان المحليين في الأردن
الأدلة على الوجود المبكر للأنباط في الأردن
تشير المكتشفات الأثرية الحديثة إلى أن الوجود النبطي في الأردن يعود إلى فترة أقدم بكثير مما افترضته الدراسات التقليدية. فقد أظهرت الحفريات في مركز مدينة البترا وجود طبقات استيطان هلنستية تمتد إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وتشمل هذه الطبقات شظايا فخارية ذات منشأ يوناني، وقطعاً تحمل كتابات إغريقية، وجراراً مختومة، إضافة إلى عملات تعود للفترة الهلنستية. هذه المكتشفات توضح أن المنطقة كانت مأهولة بسكان مستقرين قبل تأسيس المملكة النبطية بفترة طويلة
وتتوافق هذه البيانات مع نتائج الحفريات التي وثقها كل من بار (1964) وهاموند (1973)، واللذين عرضا شواهد مبكرة للاستيطان الهلنستي في مدينة البترا
المكتشفات الأثرية في البترا قبل سنة 100 ق.م
كشفت الحفريات التي أجريت في البترا خلال الفترة الممتدة من 1929 إلى 1936 ثم على يد بيتر بار بين عامي 1958 و1964 عن أدلة قاطعة لوجود استيطان منظم أقدم من العصر النبطي. فقد أظهرت الطبقات العميقة تحت الأبنية النبطية وجود فخار مستورد من العالم اليوناني، وأوانٍ سوداء اللمعة من الطراز الأتيكي، إضافة إلى رقيمات يونانية تحمل أسماء وأختاماً رسمية. كما تم العثور على عملات هلنستية تؤكد الروابط التجارية والثقافية للمنطقة قبل صعود النفوذ النبطي. هذه النتائج تدل على أن البترا كانت مدينة قائمة قبل التحول الحضاري الذي رافق قيام المملكة
وتتوافق هذه المكتشفات مع نتائج الحفريات التي قدّمها كلٌّ من مكينزي (1990) وبيينكوفسكي (1992)، واللذين عرضا أدلة واضحة على وجود استيطان منظم في البترا قبل العصر النبطي
الأدلة الأثرية
- الفخار الأدومي والنبطي: علامات استمرارية محلية
- الفخار الأدومي (المعروف بـ “فخاريات البصيرة المطلية”) يعود للقرون السابع والسادس قبل الميلاد، وجد في جنوب الأردن، ويظهر تشابهًا واضحًا مع فن النمط الفخاري النبطي لاحقًا
- الفخار النبطي الدقيق المزخرف يتميز بجدران رقيقة ونقوش زهرية، ويستخدم طينًا محليًا زهري اللون، ما يعكس تطورًا محليًّا وليس انتقالًا ثقافيًّا خارجيًّا
- مواقع أثرية متعددة الحضارات
- خربة الذريح كانت مستعمرة نبطية مهمة، لكنها تأسست على مراحل سابقة تشمل العصور الأدومية والرومانية والبيزنطية، مما يظهر تطور الحضارة في الموقع نفسه
- خربة التنور يوجد بها معبد نبطي يحمل عناصر أدومية، تم العثور على نقش يذكر إله الأدوميين “قوس”، مما يدل على استمرار ممارسات ثقافية عبر العصو
- البحث الأكاديمي المعاصر
- دراسة حديثة تشير إلى أن الطقوس والطقوس الجنائزية والآلهة النبطية في جنوب الأردن لها جذور أدومية، الاختلاف بين الأصل المحلي والخارجي “خيار زائف” بحسب الدراسة Jordan Journal for History and Archaeology

الخزف النبطي
الوثائق القديمة التي تثبت استقرار الأنباط في شرق الأردن
تقدم المصادر النصية القديمة أدلة مهمة على وجود الأنباط في شرق الأردن قبل قيام دولتهم. تشير أوراق زينون التي تعود إلى سنة 257 قبل الميلاد إلى نشاط واضح للأنباط في منطقة شرق النهر، وتظهرهم كمجموعة مستقرة تمارس التجارة والتنقل المنظم. كما تكشف الرقيمات الأدومية التي تعود إلى أواخر العصر الأخميني وبدايات العصر الهلنستي عن وجود فئة عربية نُبطِنت تدريجياً في جنوب الأردن. هذه الوثائق تؤكد أن الأنباط كانوا جزءاً من النسيج السكاني المحلي منذ القرن الثالث قبل الميلاد
وتؤكد هذه البيانات ما ورد في أوراق زينون كما حلّلها ميليك (1958)، إضافةً إلى ما كشفته الرقيمات الأدومية التي نشرها ليمير (1993)، مما يقدم دليلاً نصياً على استقرار الأنباط في شرق الأردن منذ القرن الثالث قبل الميلاد
إعادة تقييم فكرة الأنباط كبدو رحل
اعتمدت الصورة التقليدية التي تصور الأنباط كقبائل بدوية على روايات يونانية قديمة، أبرزها رواية هيرونيموس من كارديا. إلا أن تحليل هذه الروايات يظهر أنها تحمل طابعاً أدبياً مبالغاً فيه. وقد جاءت مشبعة بقوالب نمطية كانت شائعة في الأدب اليوناني عند الحديث عن الشعوب العربية. تتضمن هذه الروايات تناقضات واضحة ما يجعلها غير صالحة للاستناد إليها في بناء تصور علمي حول أصل الأنباط أو نمط حياتهم المبكر. وتدل الأدلة الأثرية والوثائقية على أن الأنباط لم يكونوا جماعات بدوية وافدة. بل كانوا مجتمعات مستقرة تطورت عبر الزمن
وينسجم هذا التقييم مع الدراسات التي قدمها كل من غراف (1990) وسارترا (2001)، واللذين بيّنا أن الروايات اليونانية القديمة اتسمت بالمبالغة وبناء الصور النمطية، ولا يمكن اعتمادها مصدراً علمياً لفهم أصول الأنباط
الأدلة الدينية
- وجود معابد ومقدسات ذات رموز دينية مشتركة بين الأدوميين والأنباط، مثل عبادة الإله ذو الشرى
- الجذور الجغرافية والدينية: اسم ذو الشرى مرتبط مباشرة بجبال الشراء المحيطة بالبترا، ما يرسم صورة واضحة عن أصالة العبادة وانتمائها المحلي
- استمرارية حضارية: وجود عبادة قوس, ذو الشرى في نفس المنطقة يشير إلى انتقال روحي وحضاري من الأدوميين إلى الأنباط
- مصادر متعددة ومتنوعة: المستندات التاريخية مثل النقوش الأثرية، العملات، والمواقع المعمارية كلها تدعم فكرة أن الأنباط كانوا تطورًا محليًا طبيعيًا، وليس دخيلًا على المنطقة
الحفريات في البترا ووادي موسى تظهر استمرارًا في الفخار، العمارة، والطقوس الدينية من الحقبة الأدومية إلى النبطية
مما يدل على تطور محلي وليس انقطاعًا سكاني
(J1-M267 التحور الجيني) الأدلة الجينية
- الدراسات الحديثة (سبرينغر نيتشر) على البدو في جنوب الأردن أظهرت نسبًا مرتفعة من هذا التحور الجيني، وهو نفسه المرتبط بالشعوب السامية القديمة في المشرق, تؤكد أن الأنباط كانوا متجذرين في جنوب الأردن وأدوم
- هذا التحور الجيني يؤكد أن سكان المنطقة الحاليين هم امتداد مباشر للشعوب التي سكنت المنطقة قديمًا، ومن ضمنهم الأنباط
- الاستمرارية الجينية بين الأردنيين المعاصرين (خصوصًا البدو) والأنباط تثبت أن الأنباط لم يكونوا غرباء عن المنطقة
- انتشار التحور الجيني J1-M267 في الأردن وجنوب الشام
أظهرت دراسات وراثية حديثة (مثل الدراسات المنشورة في المجلة الأمريكية لعلم الوراثة البشرية) أن سكان جنوب الأردن والبادية الأردنية لديهم نسب مرتفعة جدًا من هذا التحور. هذه النتيجة تتوافق مع طبيعة البدو الأردنيين كونهم أحفاد القبائل القديمة التي استوطنت المنطقة منذ العصور الأدومية والنبطية
وجود هذا التحور بشكل كثيف عند الأردنيين، وخاصة في معان، الطفيلة، الكرك، وادي موسى، يعكس استمرارية سكانية من زمن الأنباط حتى اليوم
- الصلة التاريخية بين الأنباط والتحور الجيني J1-M267
- الأنباط كانوا قبائل عربية سامية استقرت البترا ووادي موسى في الأردن منذ القرن السادس قبل الميلاد
- التحور مرتبط تاريخيًا بالشعوب السامية التي أسست ممالك محلية في المشرق (مثل الأدوميين، الموآبيين، والأنباط)
- هذا يفسر لماذا يعتبر الأردنيون الحاليون، وخاصة بدو الجنوب، الامتداد الطبيعي لتلك الشعوب القديمة جينيًا
كما تشير الأدلة الجينية، فإن وجود نسب مرتفعة من التحور الجيني
يقدم دليلًا علميًا مباشرًا على أن الأنباط لم يكونوا شعبًا دخيلًا، بل هم جزء من الامتداد السكاني المحلي
بين الأردنيين المعاصرين ، خصوصًا بدو الجنوب J1-M267
المتجذر في الأردن منذ العصور الأدومية وحتى اليوم
الأدلة التاريخية المكتوبة
- المصادر الكلاسيكية مثل سترابو وديودور الصقلي وصفت الأنباط كـ قبائل عربية محلية، ولم تذكر أنهم جاؤوا من خارج الأردن
- تاريخيًا، ظهر الأنباط بعد تراجع الأدوميين في القرن السادس قبل الميلاد، ما يشير إلى أنهم ورثوا أرضهم وأكملوا مسيرتهم الحضارية
- عاصمتهم البترا بنيت في قلب أراضي الأدوميين، مما يعكس استمرار الاستيطان المحلي
- عثر في البترا ووادي موسى على فخار أدومي ونقوش دينية تعود لآلهة الأدوميين (مثل الإله قوس)، وهو ما يثبت وجودهم في نفس المنطقة
- عندما ظهر الأنباط لاحقًا (القرن 4 ق.م تقريبًا)، اتخذوا البترا مركزًا لهم، وبنوا حضارتهم فوق نفس الأرض التي كانت جزءًا من نفوذ الأدوميين
- موسوعة بريتانيكا تؤكد أن الأدوميين استوطنوا المنطقة المحيطة بالبترا، وأن الأنباط لاحقًا استقروا في نفس الأرض
- دراسات أثرية مثل حفريات خربة التنور وخربة الذريح أظهرت وجود استمرارية بين الديانة والعمران الأدومي والنبطي
استمرارية الاستيطان وتطور المجتمع النبطي
تكشف الطبقات الأثرية السفلى في البترا عن وجود استيطان متواصل يمتد لفترات طويلة قبل العصر النبطي. وتشير البنية التحتية المكتشفة مثل شبكات المياه القديمة إلى وجود حياة مدنية منظمة، ما يشير إلى أن البترا لم تكن تأسيساً جديداً بل كانت تطوراً طبيعياً لمجتمعات محلية قائمة. ومع مرور الزمن اندمجت هذه المجتمعات ضمن كيان سياسي وثقافي متماسك شكل أساس المملكة النبطية لاحقاً
وتعتمد هذه الاستنتاجات على أبحاث فِيما (2006) وشميد (2008)، اللذين أثبتا وجود نمط استيطان متواصل في البترا وما حولها، مما يؤكد أن المملكة النبطية جاءت كمحصلة لتطور اجتماعي محلي مستمر
عروبة الأنباط
:تتجلى الدلائل الواضحة على عروبة الأنباط في عدة جوانب، منها
- وصفهم من قبل المؤرخين الأجانب مثل ديودورس والجغرافي سترابو، وكذلك في التوراة، بأنهم عرب
- أسماء ملوكهم وأعلامهم كانت ذات طابع عربي، مثل الحارث، مالك، عبادة، جميلة، شقيلة، خلد (أو خالدة)، صالح، وسلمى
- أسماء آلهتهم وأصنامهم كانت شائعة ومعروفة في أرجاء الجزيرة العربية
- أما أصول الأبجدية العربية، فهي مستمدة من الأبجدية النبطية وما شهدته من تطور في هذا المجال
اللغة عند الأنباط: العربية المحكية والآرامية المكتوبة
تميز الأنباط بخصوصية لغوية فريدة، إذ كانوا يتحدثون العربية القديمة في حياتهم اليومية وبين قبائلهم، بينما اعتمدوا الآرامية كلغة كتابة وإدارة وتجارية. فالآرامية في تلك الفترة كانت لغة مشتركة في المشرق كله، من مصر حتى بابل، وهو ما جعلها أداة مناسبة للتواصل وتوثيق المعاملات الرسمية والنقوش
ومع مرور الزمن، بدأت اللغة العربية المحكية عند الأنباط تترك بصمتها على كتاباتهم الآرامية، فظهرت نصوص نبطية تتضمن تراكيب وألفاظًا عربية واضحة. وقد أسهم هذا التداخل اللغوي في ظهور ما يعرف بـ الخط النبطي، الذي يعد الحلقة المباشرة التي تطور منها الخط العربي في القرون اللاحقة
إن ازدواجية اللغة عند الأنباط تعكس هويتهم المركبة: شعب عربي في جذوره وثقافته، يتبنى الآرامية كلغة رسمية لاعتبارات حضارية وإقليمية، لكنه يظل محتفظًا بالعربية التي شكلت أساس تطور لغته وهويته عبر العصور
- اللغة الآرامية في ذلك العصر (القرون الأخيرة قبل الميلاد) كانت لغة مشتركة في المشرق كله، من مصر حتى بلاد الرافدين، لذلك اعتمدها الأنباط للكتابة والنقوش والمعاملات الرسمية
- لكن الأنباط تكلموا العربية في حياتهم اليومية، وقد انعكس ذلك في نقوشهم المتأخرة حيث بدأت العربية تتسرب إلى كتاباتهم الآرامية شيئًا فشيئًا، حتى ظهر ما يعرف بـ النبطية العربية (وهي المرحلة الانتقالية التي سبقت الخط العربي المبكر)
- ومن المعروف أن الخط العربي تطور عن الخط النبطي مباشرة، وهذا من أقوى الأدلة على ازدواجية لغتهم
عربية منطوقة + آرامية مكتوبة - النقوش النبطية المتأخرة (من القرن الثالث الميلادي) تظهر ملامح عربية واضحة في الألفاظ والنحو
- المؤرخين مثل إيرفين شاهيد وديفيد فرانك غراف أشاروا إلى أن الأنباط كانوا جزءًا من العرب، وأن لغتهم المحكية كانت عربية، بينما استخدموا الآرامية للكتابة لأسباب عملية وحضارية
أصول الأنباط
في الختام، وبعد استعراض العديد من الفرضيات حول أصول الأنباط، تثبت الأدلة التاريخية بشكل قاطع أن الأنباط هم قبائل عربية أردنية بدوية تنحدر من أصل أدومي، وقد تأصلوا في تلك الأرض ليشكلوا جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المنطقة وثقافتها. الأنباط استوطنوا تحت حكم الأدوميين في جنوب الأردن، حيث شكلوا جزءًا من النسيج الاجتماعي والثقافي الذي ساد المنطقة في تلك الفترة. تدريجيًا، تمكن الأنباط من فرض سيطرتهم على المنطقة، ليؤسسوا دولتهم ويبرزوا كلاعبين رئيسيين في تاريخ الشرق القديم
الأنباط امتداد طبيعي لحضارات الأردن القديمة
من ثمود الأردنيين خرج الحوريون
ومن الحوريين تفرّع الأدوميون
ومن الأدوميين نشأ الأنباط
فجميعهم ارتبطت جذورهم بالأرض الأردنية
كما تشير الأدلة التاريخية والأثرية إلى أن الأنباط ينحدرون من أصل أدومي أردني، ويعدون من العرب الذين نشأوا في تلك البيئة الجغرافية والثقافية وكانوا امتدادًا طبيعيًا للأدوميين والسكان الأصليين في جنوب الأردن. كما تكشف هذه الأدلة عن تداخل اجتماعي وثقافي عميق بين الأنباط والأدوميين، مما يعكس الروابط القوية بين هذه القبائل العربية الأردنية القديمة. لذلك، يمكن التأكيد على أن الأنباط لم يكونوا مجرد قبائل استقرت في المنطقة، بل كانوا جزءًا لا يتجزأ من التراث العربي الأردني، وقد تبنوا تقاليد وعادات أسلافهم، مما ساهم في تشكيل هوية ثقافية واحدة امتدت عبر الأجيال
المراجع
عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن
كتاب المملكة الأردنية الأدومية, عمان – الأردن
هاني الزهران، الاستيطان البشري في وادي فينان في العصور القديمة، جامعة مؤتة (4 .3 4 العصر الحديدي (مملكة أدوم) 1200 – 539 . كريستال بنت – صفحة ٩٢ )
Deities and dolphins; The Story of the Nabataeans by Glueck Nelson, 1965
Hammond.P.C, The Nabataeans, Their History, Culture & Archaelogy(Gothenburg,Sweden,Paul Astrom Forag, 1973)
Strabo: The Geography of Strabo, (The Loeb Classical Library), Cambridge,mass, 1961
إيرفين شاهيد (Irfan Shahid), The Ethnic Origin of the Edomites
ديفيد فرانك غراف (David Frank Graf), روما والحدود العربية: من الأنباط إلى الساراسين
Scientific Reports ,Published by Springer Nature, Origin and diffusion of human Y chromosome haplogroup J1-M267 https://www.nature.com/articles/s41598-021-85883-2
Jordan University Archives, Jordan Journal for History and Archaeology, Beyond Petra: Nabataean Cultic and Mortuary Practices and the Cultural Heritage of the Negev and Edom
Encyclopaedia Britannica – Edom, هذا المقال يذكر أن الأنباط غزوا أو استولوا على مملكة إدوم قصيرةً بعد تراجع نفوذ الأدوميين، ما يشير إلى انتقال واضح للسيطرة الجغرافية من الأدوميين إلى الأنباط في مناطق جنوب الأردن وشرق النقب
Edom, ancient country, Middle East
Parr, Peter J. “A Survey of Excavations in Petra, 1958–1964.” Palestine Exploration Quarterly, 1964
Hammond, Philip C. “The Hellenistic and Roman Periods in Petra.” Annual of the Department of Antiquities of Jordan (ADAJ), 1973
McKenzie, Judith. “The Architecture of Petra.” Oxford University Press, 1990
Bienkowski, Piotr. “Early Edom and Petra during the Hellenistic Age.” Levant, 1992
Milik, J.T. “The Zeno Papyri and the Nabataeans.” Revue Biblique, 1958
Orchier, R. Zenon Papyri: Documents on Trade and Movements in Transjordan., 1957
Stern, Ephraim. “Idumaea and the Nabataeans in the Persian and Early Hellenistic Periods.” Bulletin of the American Schools of Oriental Research (BASOR), 1982
Lemaire, André. “Aramaic Ostraca from Idumaea and Early Nabataean Presence.” Semitica, 1993
Sartre, Maurice. “Arabia and the Greeks: Ethnographic Constructions in Classical Sources.” Oxford, 2001
Graf, David F. “The Origins of the Nabataeans.” Aram Periodical, 1990
Schmid, Stephan G. “The Development of Petra from the Hellenistic to Nabataean Period.” ADAJ, 2008
Fiema, Zbigniew. “Petra and Its Hinterland: A Continuous Settlement Pattern.” Journal of Near Eastern Studies, 2006
CROSSING JORDAN North American Contributions to the Archaeology of Jordan Edited by APOT Thomas E. Levy, P.M. Michèle Daviau Randall W. Younker and May Shaer DEPMAKA POH