مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ١٥ – الزراعة النبطية، نظام الري وقطاع الخدمات

الزراعة النبطية ونظام الري يمثلان جانبًا جوهريًا من جوانب حضارة الأنباط، إذ أسهما في ازدهار حياتهم الاقتصادية واستقرارهم. فقد طوّر الأنباط أساليب زراعية متقدمة، مدعومة بأنظمة ري مبتكرة مكنتهم من استصلاح الأراضي القاحلة. ومن خلال هذا التطوير، استطاعوا تحقيق فائض إنتاجي ساعدهم في التجارة، وأكسبهم مكانة بارزة بين حضارات المنطقة

الزراعة النبطية ونظام الري

الزراعة

شكلت الزراعة أحد الأعمدة الرئيسية في الحياة الاقتصادية لدى الأنباط، وقد ورثوا هذا القطاع عن الأدوميين الذين سبقوهم وحققوا فيه تطوراً ملحوظاً. وتدل العديد من الشواهد التاريخية والأثرية على أهمية الزراعة في اقتصاد الأدوميين، وهو ما استمر مع الأنباط عند شروعهم في الاستقرار ومزاولة التجارة

ومع تزايد ازدهار التجارة النبطية واتساع نطاقها لتصل إلى أسواق حيوية، كان من الطبيعي أن ينعكس هذا الازدهار على الزراعة والصناعة، خاصة عبر مفهوم الفائض السلعي الذي تطلب وجود بنية إنتاجية قوية. ومن هنا بدأ الأنباط بإدخال تحسينات كبيرة على تقنيات الري وأساليب جمع المياه، والتي كانت تعتمد على النظم التقليدية المتوارثة من الأدوميين

ويرجح أن الأنباط قد استحدثوا بعض أنواع المحاصيل الزراعية في المنطقة، سواء نتيجة لتجربتهم التجارية أو لاطلاعهم على زراعات من بلدان أخرى زاروها. وقد استفادوا من البنية الزراعية الموجودة، فقاموا بتطويرها والبناء عليها، لا سيما في ما يتعلق بجمع المياه وتخزينها، وهو ما أتاح لهم التوسع في الزراعة

ومع توفر كميات أكبر من المياه، عمد الأنباط إلى إنشاء المصاطب الزراعية واستصلاح الأراضي الجبلية، حيث استخدموا السلاسل الحجرية لتدعيم التربة، كما توسعوا في حفر الآبار وبناء البرك والسدود الصغيرة، مما عزز قدرتهم على استغلال الموارد الطبيعية بشكل أكثر فاعلية

كانت منطقة جبال الشراة من المناطق الملائمة لزراعة الفواكه، وقد تميزت بشكل خاص بزراعة الكرمة والرمان، اللذين أصبحا من العناصر الأساسية في صناعة الخمور خلال العصر الهلنستي. ونظرًا لأهمية هذه الصناعة، ارتبط الإله ذو الشرى بإنتاج الخمر، حتى أنه قورن بالإله زيوس في هذا الجانب. ويبدو أن الأنباط استفادوا تجاريًا من هذه المحاصيل، إذ كانت منتجات مثل الزبيب ومنقوعه ملائمة لاستهلاك المسافرين والقوافل القادمة من مختلف الجهات، كما كانت مرغوبة لدى السكان المحليين. وأصبحت الخمور جزءًا من الطقوس الدينية والاجتماعية، ويذكر أن الأنباط كانوا يلتزمون بتناول ما لا يزيد عن أحد عشر كأسًا من الخمر عند اجتماعهم في مجموعات تضم ثلاثة عشر شخصًا على المائدة الواحدة

ومن المرجح أيضًا أن الأنباط قد توسعوا في زراعة التين وبعض الفواكه الأخرى، حيث يعد التين من المحاصيل المحببة لدى السكان في مختلف الفصول، كما أنه ملائم لتقديمه كغذاء للقوافل أو تحويله إلى منتج تصديري بعد تجفيفه

البلسم هو نوع من الصمغ يستخرج من شجرة البلسان، ويعد من أهم المحاصيل الزراعية في زمن الأنباط، حيث اكتسب أهمية استراتيجية في تجارتهم. وتشير المصادر إلى أن البلسم كان يجلب من منطقة أريحا، لكن لا يوجد ما يؤكد ما إذا كانت هذه المنطقة حينها تحت سيطرة الأنباط أم لا. ومن المرجح أن أريحا في العصر النبطي كانت تشمل الضفة الشرقية لنهر الأردن، نظرًا لتشابه الظروف المناخية والتربة المناسبة لزراعة البلسان

كما تذكر بعض المصادر زراعة محاصيل أخرى مثل النخيل، والسمسم، والزيتون. ويبدو أن النخيل كان يزرع في منطقة الغور بسبب ملاءمة مناخها لهذا النوع من الزراعة. أما الحبوب، التي كانت ضرورية لتأمين الغذاء للسكان، وتلبية احتياجات مواشيهم وأعداد كبيرة من إبل القوافل ودوابها، فقد اضطر الأنباط إلى توسيع زراعتها لتلبية الطلب المتزايد. إذ كانت بلادهم محطة دائمة للقوافل، وكان عليهم توفير متطلبات الإقامة والمرور، وعلى رأسها الكلأ والماء

ويعتقد أن زراعة الحبوب انتشرت بشكل واسع في سهول حوران الشمالية وصولاً إلى جنوب دمشق، بالإضافة إلى بعض سهول مؤاب وأطراف الصحراء القريبة من جبال الشراة

بالنسبة لزراعة السمسم والزيتون، فقد تم اكتشاف عدد كبير من معاصر الزيتون في المنطقة النبطية، لا سيما في جبال الشراة ووادي موسى على وجه الخصوص. وتشير كثرة هذه المعاصر إلى أن زراعة الزيتون وصناعته انتشرت بعد الحقبتين اليونانية والرومانية. ويرجح أن الزيتون كان معروفًا في المنطقة بشكل محدود قبل ذلك، لكن الرومان هم من شجعوا على التوسع في زراعته خلال القرن الأول قبل الميلاد، استنادًا إلى تاريخ المعاصر المكتشفة في وادي موسى. ومع مرور الوقت، بدأ زيت الزيتون يحل محل زيت السمسم، بعدما أدرك الناس أن أشجار الزيتون أكثر ملاءمة للزراعة في المناطق الجبلية، وأقل تطلبًا للرعاية والري

الري عند الأنباط

لا يمكن دراسة الحضارة النبطية، وخاصة جانبها الزراعي، دون التطرق إلى براعتهم الفائقة في أنظمة الري وجمع مياه الأمطار والينابيع. وقد اشتهر الأنباط بهذه المهارة حتى أن كثيراً من المؤرخين والباحثين ربطوا اسمهم بها، مرجعين أصل الكلمة “نبط” إلى الجذر اللغوي الذي يعني “الماء الذي يستخرج من البئر”، كما ورد في معجم ابن منظور. ويشير أيضاً إلى أن “النبط” قد يطلق على الماء المنبعث من الجبال كأنه عرق من الصخور

وبفضل هذه القدرة الاستثنائية في إدارة المياه، استطاع الأنباط زراعة أراضٍ قاحلة لم يسبقهم أحد إليها. وقد طوروا أنظمة زراعية متقدمة بلغت ذروتها في القرنين الأول والثاني الميلاديين. ومن أبرز ابتكاراتهم إقامة الجدران الاستنادية – كما هو ظاهر في منطقة “الجي” قرب البترا – لتقليل سرعة تدفق مياه الأمطار على المنحدرات، مما أتاح إنشاء مصاطب زراعية صالحة لزراعة الكروم والبساتين

ولم يقتصر استغلالهم للمياه على الأمطار فقط، بل استفادوا أيضاً من الأودية بفضل تربتها الرسوبية الغنية ورطوبتها العالية، مما مكنهم من توسيع رقعة أراضيهم الزراعية بشكل ملحوظ

من أغرب الظواهر في نظام الري النبطي ظاهرة لا تزال آليتها غامضة إلى حد كبير بالنسبة للباحثين، وهي عبارة عن صفوف من الحجارة يعتقد أن الأنباط استخدموها لتنظيم تدفق مياه الأمطار. وقد أنشأ الأنباط كذلك سدودًا صغيرة وبركًا مائية لحجز المياه في الأودية الفرعية، ومن ثم جرّها عبر قنوات إلى الأراضي المرتفعة، مما أسهم في توسيع الرقعة الزراعية. وفيما يلي أبرز أساليب الأنباط في تجميع المياه

  • السدود: كانت تقام في الأودية لتجميع مياه الأمطار بهدف استخدامها في الشرب والزراعة، ويعد “سد مدخل سيق البترا” من أبرز الأمثلة على ذلك
  • أحواض الجمع: وهي سدود صغيرة أنشئت بهدف تشكيل أحواض لتخزين المياه، وكانت هذه الأحواض تتصل بخزانات المياه عبر قنوات خصصت لهذا الغرض
  • الآبار الخاصة والعامة: شملت هذه الآبار نوعين؛ خاصة، مثل تلك المرتبطة بالمزارع والمنازل والمراعي، وعامة، كالتي تقع في المدن وتديرها الدولة، مثل آبار البترا، أو تلك المنتشرة على طول طرق القوافل والتجارة. كما وجدت آبار “مشاعية” تخدم قبائل أو مناطق معينة، ولا تزال آثار هذا النظام باقية في المنطقة حتى يومنا هذا
قنوات المياه المتواجدة على أطراف السيق 
خزان متصل بأحد القنوات 
حوض استبقاء على أطراف السيق
 نفق لتحويل مياه الفيضانات بالقرب من مدخل السيق يمتد من وادي موسى إلى وادي مدليم  
القنوات السفلية الموجود في بداية السيق 
بئر مياه في الحميمة 
الخزانات الأرضية الآبار في البترا 
آبار المياه المحفورة بالصخر 
أحد مخارج الخزانات  في البترا 
بقايا السد الذي بناه الأنباط 
البرك التابعة لأحد السدود 
أحد الحواجز الذي شيد لحماية البترا من الفيضانات 

غرفة تخزين المياه لتصفية المياه المنسابة 

خزان مرتبط بحوض التخزين في البترا 

خزان المياه 

انتشر نظام الاستفادة من مياه الينابيع بشكل واسع في منطقة جبال الشراة وجبل رم، حيث قام السكان بحفر آبار وإنشاء خزانات ضخمة لجمع مياه الينابيع، وكان يطلق عليها البعض اسم “القلاع المائية”. وقد صممت هذه المنشآت لتزويد المدن بالمياه، كما هو الحال في خزانات الرملة في مدينة البترا، أو لتخدم القوافل، مثل خزانات “سيق البارد” في البترا الصغيرة. بالإضافة إلى ذلك، وُجدت خزانات أصغر حجمًا كانت مخصصة للاستخدامات العامة، ولتغذية آبار وخزانات المنازل

وقد أشار بعض الباحثين إلى أن هذا النظام لا بد أنه كان يدار من قبل هيئة أو سلطة تشبه “سلطة المياه” المعروفة في المدن الحديثة. ومن ابتكارات الأنباط أنهم أنشأوا قنوات مائية، غالبًا ما كانت مدفونة تحت الأرض، لنقل المياه إلى المناطق السكنية لاستخدامها في الشرب وري الحدائق. وصنعت أنابيب المياه من السيراميك، وأحيانًا من الرصاص

ويرجح بعض المؤرخين أن عدم اهتمام الأنباط بامتلاك العبيد كان بدافع الحفاظ على أسرار مواقع الآبار والخزانات، خشية تسرب هذه المعلومات إلى شعوب أخرى عند بيع الرقيق. كما يحتمل أن العديد من الآبار، خاصة تلك الواقعة على الطرقات وفي المراعي، كانت سرية، نظرًا للمكانة الكبيرة التي أولاها الأنباط للمياه في حياتهم

الرعي وتربية الماشية والإبل والطيور

تعد تربية الماشية والحيوانات من الأنشطة الاقتصادية القديمة التي مارسها الإنسان في المنطقة منذ أزمنة سحيقة. وتشير مصادر تاريخية متعددة إلى أن هذا النشاط بدأ مع استئناس الإنسان للحيوانات. وتشير التقديرات إلى أن الجمل قد تم استئناسه على الأرجح في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد في شرق الجزيرة العربية، بينما يرجح أن استئناس باقي الحيوانات قد سبق ذلك بعدة قرون

كان الجمل والضأن من أهم الحيوانات التي اعتنى بها العرب والأنباط، يليهما الماعز، الذي يتلاءم بشكل أكبر مع البيئة الجبلية مقارنة بالضأن والإبل. ومن هذا، يمكننا أن نستنتج أن الزراعة النبطية في جبال الشراة ومنطقة الحجر كانت مزدهرة وقادرة على توفير الأعلاف اللازمة لجميع هذه الحيوانات، بما في ذلك الثيران التي ربما استخدمت في أعمال الحراثة

وقد تميز الضأن عندهم بصوفه الأبيض، في حين كانت ثيرانهم ضخمة الحجم. أما الخيول، فلم تكن من الحيوانات التي تنتجها بلادهم، إذ كانت الجمال تؤدي دورها في النقل والخدمة، وتحل محلها في معظم الاستخدامات

بالرغم من تنوع أنشطتهم، لا بد أن قسماً كبيراً منهم كان يختص بتربية الماشية والاتجار بها وبمنتجاتها. ومع ذلك، فإن مهنة الرعي وتوفير الأعلاف للحيوانات ظلت، في الغالب، شكلاً من أشكال الاقتصاد المنزلي الذي يشارك فيه جميع أفراد العائلة، بما فيهم الأطفال. وتظهر الثقافة البدوية القديمة مدى ارتباط هذا النشاط بالحياة اليومية، إذ كانوا يبشرون الناس عند ولادة فتاة جديدة بقدوم “راعية ماشية” إلى الأسرة

قطاع الخدمات والمهن والبناء

الزراعة

كان قطاع الخدمات يشكل أحد الركائز المهمة في الاقتصاد النبطي، ويتضح ذلك من خلال ما ورد في بعض النقوش التي ذكرت العديد من المهن. فقد أشير إلى مهن مثل البناء، النحات، الرسام، الصائغ، إلى جانب المزارعين، والتجار، والجند، والإداريين، والرعاة. كما يمكن استنتاج وجود مهن أخرى ارتبطت بالنشاط الاقتصادي، مثل السقائين الذين يوفرون الماء والشراب، وأصحاب الحوانيت الذين يبيعون السلع الاستهلاكية أو العطرية والطبية، والنساجين الذين يصنعون الملابس وخيام الشعر والصوف، إضافة إلى الأدلاء والمرشدين المرافقين للقوافل والمسافرين، و”المكارية” الذين يؤجرون إبلهم ودوابهم لنقل الأمتعة داخل المناطق النبطية وخارجها

كان قطاع البناء نشطًا وحيويًا بشكل ملحوظ، خاصة خلال الفترة الممتدة من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي. وتعكس النهضة العمرانية الواسعة، بما في ذلك الفلل والمنازل الكثيرة في مناطق مثل وادي موسى ومنطقة الزنطور في البترا، حجم الاستيطان الكثيف الذي شهدته المنطقة آنذاك

يبدو أن شريحة واسعة من الأنباط واصلت ممارسة الرعي وتربية الماشية، حيث كانت الإبل والضأن أكثر الحيوانات انتشارًا لديهم، نظرًا لقدرتهما العالية على التكيف مع الجفاف الصحراوي. كما أن العديد من المزارعين وأنصاف البدو المستقرين في جبال الشراة كانوا يربون أعدادًا محدودة من المواشي قرب منازلهم ومزارعهم، لاستكمال الدورة الزراعية التي ما زالت معروفة في هذه المناطق حتى اليوم. وينقسم هؤلاء إلى فئتين رئيسيتين: المزارعون المستقرون، الذين يقيمون دائمًا في قراهم ويجعلون الزراعة نشاطهم الأساسي، مع تربية أعداد قليلة من الماشية غالبًا للاستهلاك المنزلي، وقد يزاول بعضهم أنشطة اقتصادية إضافية مثل الحرف البسيطة كالبناء، أو الحرف المتقنة كصناعة الفخار، أو تجارة المفرق الموسمية. أما أنصاف البدو أو “أنصاف المستقرين”، فكانوا يعتمدون أساسًا على تربية الماشية، ويقيمون على أطراف المزارع والحقول قبل أن ينتقلوا شتاءً إلى الأغوار أو الصحارى. وقليل منهم كان يزرع محاصيل موسمية، خصوصًا
الحبوب، أو يعمل في أنشطة مؤقتة مثل النسيج، التي كانت غالبًا من مهام النساء

المراجع

عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن
إرث الأردن – الحصاد المائي عند الأردنيين الأنباط
زيدون المحيسن – هندسة المياه والري عند الأنباط العرب ، الطبعة الأولى ، 2002 ، بيت الأنباط ، (البتراء – الأردن)

Previous:
مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ٢٣ – الأدب والشعر والموسيقى والفنون
Next:
مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ١٦ – القبيلة والاتحاد القبلي