مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ٢١ – القيم والعادات بين البداوة والمدنية في المجتمع النبطي
البحث في الحياة الداخلية للأنباط ليس سهلا لشح الآثار وندرة النقوش الدالة عليهم ومع ذلك فإن المصادر الكلاسيكية والبحوث الاثرية تعيننا على رسم صورة اوضح عن مجتمعهم وقيمهم وتقاليدهم كما ان التراث الجاهلي في الجزيرة العربية يفتح لنا افقا اوسع لفهم ملامح تلك الحياة وعناصرها
يعد هذا الباب من اكثر الابواب صعوبة في البحث لشح آثاره ولندرة النقوش التي تدل عليه، ومع ذلك فإن رسم معالم الحياة الداخلية للأنباط أمرا ممكنا في ضوء ما وصل من بعض الاشارات التي اوردتها المصادر الكلاسيكية القديمة، او من خلال البحوث الاثرية التي امدتنا بمعظم مما صرنا نعرفه عن حياة الانباط، فإذا ما أضيف الى ذلك التراث الجاهلي في شبه الجزيرة العربية ضمن سياقه التاريخي الجغرافي فلا بد من ان تحدد بعض ملامح تلك الحياة من قيم الأنباط والعادات والتقاليد
واول ما يجب ان يتبادر الى الذهن دور الدين في حياة الانباط لما لذلك من اثر معروف في تحديد منظومة القيم وطرائق العادات والتقاليد فإن عرفنا من خلال النقوش ان الدين كان لدى الانباط امر يدخل في شتى مناحي حياتهم واذا ما رغبنا في استحضار المؤشرات على تمسك الانباط بدينهم فهي كثيرة نكتفي بالاشارة فيها الى الاعداد الكبيرة من المعابد التي بناها الانباط في مختلف ارجاء الارض التي عاشوا فيها ومنها ايطاليا التي وجد فيها جالية تجارية نبطية وكانت المعابد والمساجد تنتشر في انحاء الطرقات التي كان يسلكها الانباط حتى في الاماكن النائية قليلة السكان كخربة التنور ووادي رم وغير ذلك ثم ان نقوش القبور لم تكن تغفل اللعنات التي تستجلبها باسم الالهة على كل من يخالف تعليمات صاحب القبر والمخالف لا بد من ان يغرم لصالح الالهة والملك احيانا والاهم من ذلك ما كان يعتقد به الانباط من مسؤولية الالهة عن سلامتهم في السفر ونجاح تجارتهم مثلما عزوا ذلك لشيع القوم اولا ثم ليشركوا به الدلفين الذي صار يلازم بعض قبورهم ومن المحتمل جدا انه كان يلازمهم في السفر ايضا بايقونة تعلق في رقابهم او رقاب جمالهم وخيلهم او في سفنهم وقواربهم
اذن فنحن بازاء مجتمع تقليدي محافظ يجعل من يومه وليله وعقله أيضا قدرا لا بأس فيه لحياته الروحية، بل انهم قدموا التقدمات السخية معابدهم من اموالهم الخاصة، وكان ان قامت بعض الاسر باخذ مسؤولية بناء المعبد وترميمه على عاتقها مثلما عرف عن معبد “صلخد”، ولا بد من ان يكون للدين تجلياته الملموسة في حياتهم وقيمهم وتقاليدهم ولكن لا بد من الانتباه الى ان المجتمع النبطي كغيره من المجتمعات قد تمايز على صعيدين مما لا يجوز معه التعميم، والصعيد الاول هو ما يمكن ان نسميه التباين العرضي، اما الصعيد الثاني فهو ما يمكن تسميته التباين الطولي الزماني، فان مجتمع الأنباط لم يكن كتلة واحدة، بل كان مجتمعا متنوعا طبقاته وشرائحه الاجتماعية بل وبمنابت سكانه وثقافاتهم، فمن هؤلاء من كان متمسكا بثقافته البدوية التي تعبر عن ثقافة الجزيرة العربية، وأغلب هؤلاء من البدو الرحل وأشباه الرحل أشباه البدو، وفي المقابل لدينا ثقافات مدنية تكونت بفعل الاستقرار والتمدن الذي كان مرتعا لثقافات قادمة من الشمال السوري ومن الشرق حضارات بلاد الرافدين ومن الغرب حضارة وادي النيل ومن مدن قريبة سابقة ك “عمون” و “مؤاب” و “اريحا” و “العلا” و “الحجر” و”ارام دمشق” وغيرها الكثير من الحواضر، واذا ما اخذنا بعين الاعتبار العدد الكبير من سكان القرى الزراعية التي تكونت من السكان الأصليين كالادوميين والمؤابيين وشظايا من الاقوام الارامية والامورية، فاننا نصبح بازاء ثلاثة انماط ثقافية البدوي، الريفي الزراعي، المدني اما اذا ما استعرضنا مقطعا طوليا لمجتمع الانباط طوال اكثر من ستة قرون هي عمر الحضارة النبطية، فاننا بازاء مدة طويلة تتقلب فيها المجتمعات وسماتها بما فيها قيمها وعاداتها الخ
في المراحل الاولى لحضارة الانباط كان النمط البدوي غالبا على الانماط الاخرى ولعل هذه الغلبة ظلت دائمة الى وقت متاخر الى ان بدأت الحضارة الرومانية ترمي بثقلها على المنطقة مثلما يتضح لكل معاين لآثار الرومان في بلاد الشام عموما وشرقي الاردن خصوصا ويبدو ان الرومان كانوا قد وقفوا موقفا سلبيا اتجاه نمط البداوة واعلوا من شأن العمارة المدنية ايما اعلاء وهم ايضا بذلوا جهدا كبيرا في طبع الحياة اليومية بطابعهم الخاص ويتضح ذلك في اسماء بعض الوظائف الادارية والعسكرية وفي ادخال بعض الزراعات او تشجيعها خصوصا الزراعات التحويلية كالعنب والزيتون وفوق ذلك فان آلهة الرومان بدأت تطغى على الآلهة المحلية وتخلع عليها الاسماء الاغريقية والرومانية بل ولتغير ملامحها للدرجة التي تصعب بعدها معاينة القديم عن الجديد
وفي المراحل الاولى تنقل لنا المصادر بساطة حياة الأنباط بما في ذلك بساطة المنظومة الدينية من الهة ورموز وطقوس وعبادات، وهذا الأمر ينسجم مع ما يعرف عن النمط البدوي طوال الوقت في هذه المرحلة كان الأنباط يانفون من بذر الحب او زراعة الحقول، ويبدو ان عملهم الأساسي حول الابل والمواشي وتجارة الترانزيت التي ترتبط ايضا بالتنقل الدائم
البدوي في هذه المرحلة لا يابه لدفن جثث موتاه، فالبدوي غير مرتبط بأرض محددة لانه دائم السعي خلف الكلا والماء، فهنا حياته الحقيقية وفيها حريته الأثمن التي لا يبدلها بسبب الارتباط بمجموعة من القبور، والصحراء التي يعيش فيها لا تنفع لبناء القبور ما دامت معالمها متغيرة ورمالها دائمة التنقل ايضا، وفوق ذلك فان القيمة الاكبر هي للحياة والاحياء وليست للاموات مثلما يقول قولهم الماثور (الحي ابقى من الميت) فالاولية للحياة والاحياء، لذلك فليس غريبا ان بعضهم وربما أكثرهم كان يطرح الجثث في عرض الصحراء بعد ان يواريها بقليل من الرمال ومن المحتمل ان هذه الرمال كانت تذريها الرياح سريعا قبل ان تتحلل الجثث فتنكشف، ولمن الحق القول ان القبور الكثيرة التي وجدت كانت نوعين
الأول: قبور المدن المنحوتة في الصخر ومعظم هذه القبور بني منذ أواخر القرن الأول قبل الميلاد فما بعد ذلك وهي في كل الأحوال كانت تخص علية القوم من كبار موظفي الدولة أو من قبل كبار الأثرياء من التجار والكهنة ومع ذلك فإن الحفريات لم تكشف لنا حتى الآن عن قبر واحد لأحد ملوك الأنباط
النوع الثاني من هذه القبور هو قبور القرى أو المستوطنات وهذا النوع من القبور غالبا ما بني من الحجارة المشذبة ودفن في الأرض أو في الكهوف وهو أيضا بدأ يعرف في أوقات متأخرة نسبيا من حضارة الأنباط والبدوي في هذه المرحلة يعلي من شأن قيم الشجاعة والنخوة والكرم والفروسية والرياضة والأدب الشفوي وعلى رأسه الشعر وهو أيضا لا يقيم وزنا لطرائق الحياة المادية المتعالية على الطبيعة فالشعور تطلق على طبيعتها واللباس لا بد من أن يكون خشنا ليناسب عيش الصحراء والكر والفر والمرأة الأفضل هي الأشبه بالرجال في سلوكها فإن رغبت في العلو أكثر تقربت لنمط الرجل أكثر ولا بد من أن الذكر ظل مفضلا على الأنثى والبدوي لا يرتضي لحريته المطلقة تقريبا بديلا إلا إذا بدأ يقتنع ويرتضي بما يعود عليه التحضر والاستقرار من منافع تفوق ما سيخسره مقابل ذلك من حريته التي لا يحدها غير الأعراف البدوية التي تترك للبدوي هامشا واسعا لا يجوز التسلط عليه من قبل الآخرين على أن تعميم ذلك لا يجوز في كل الأحوال فإن بعض شرائح البدو استطاعت أن تستفيد من ثمار المدنية الشئ الكثير وتتمثلها في حياتها وهي بالمقابل لم تتخل عما تشربته من قيم وتقاليد طوال أجيال عديدة وعلى الأرجح أن مثل هذه الشرائح كانت من كبار الملاك وكبار التجار والزعماء الدينيين أمثال قريش وحياتهم في مكة وأطرافها فقد أدخلوا ما يناسب أذواقهم من وسائل الرفاهية والتمدن فبنوا المنازل والقصور واستجلبوا العطور والطيوب لهم ولنسائهم وأعلوا من شأنها ولبسوا الملابس ذات الألوان الأرجوانية وبعضهم استجلب الأرائك والأسرة والكراسي من الحواضر المحيطة بالجزيرة فعرفوا الحرير والطنافس والزرابي والأرائك الفارسية حتى صارت جزءا من لغتهمم ونمط حياتهم
ومع ذلك يقابل هذه المنظومة البدوية أو الصحراوية منظومة أخرى لا تناقضها تماما بل تتمايز عنها في الكثير من المظاهر ألا وهي منظومة المدينة والمدينة لم تكن نبتا طارئا في المنطقة فقد عرفت المنطقة المدينة وقيمها وتقاليدها منذ قرون مديدة قبل مدنية الأنباط فمدينة “جاوا” في شرقي الأردن كانت قد نشأت منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة على مدينة الأنباط يجب الاعتراف أن المدينة لم تستطع الاستمرار دون انقطاعات طويلة لأسباب سياسية أو أيكولوجية مثلما تؤكد بعض الدراسات وإن أقرب المدنيات المندثرة في المنطقة كانت مدنية الأدوميين التي اشتهر منها عاصمتها “بصيرة” ثم مدنية العمونيين وعاصمتهم “عمون” ومدنية المؤابيين وعاصمتهم ديبون – ذيبان
ومهما يكن من امر فإن للمدنية هي الاخرى نمطها الخاص بها الذي يتقارب الى درجة كبيرة العصور القديمة: المعبد في وسط المدينة والسوق قريبا من ذلك وغالبا ساحة للاجتماعات والاحتفالات ثم مرافق تجارية متنوعة… إلخ أما في المنظومة القيمية والسلوكية فالعمل والجد والاجتهاد قيم عليا والعبادة والدين ضرورة حياتية اكثر من ان ترتبط بفكرة الحساب والعقاب الاخرى والاموات من الاسلاف تحترم قبورهم لان ذلك احتراما لارواحهم وربما تعبيرا عن المكانة الاجتماعية للعائلة وفي الحياة اليومية لا بد من ملاحقة مستوى المعيشة المتغير بما في ذلك البحث عن الوسائل والادوات الترفيهية والكمالية ما امكن
أما المرأة فالنظرة لها مزدوجة: نظرة تحترمها وتقدرها لأنها جزء من الاقتصاد العائلي في المدينة خصوصا في أعمال النسيج والحياكة وهي أيضا المحور الأساسي في حياة الترويح والرفاه والنظرة الأخرى هي التي تحط من قدرها باعتبارها هدفا للسبي أيضا فالمدن كثيرا ما تعرضت لذلك من قبل الجيوش الغازية أو من قبل الجماعات البدوية المحيطة والمرأة أيضا المخلوق الأقل قيمة من الناحية العقلية والفسيولوجية ما دام الأفراد يوزنون بقوة عضلاتهم
واذا ما استعرض قيم المجتمع الريفي فإننا سنجد انحرافات قليلة عن كلا النمطين السابقين البدوي والمدني فالدين بالنسبة لهؤلاء ضرورة حياتية لأن الدين ورموزه الغيبية الميتافيزيقية هي التي تتحكم في دورات الحياة خصوصا الزراعة فالأمطار تسقط بمشيئة بعل وقوتها والفيضانات تحدث اما انتقاما من الناس او رحمة لمزروعاتهم اذا لم تكن مدمرة والحياة هي كد وجد ومعاناة لا بد من إمضائها بهذه الطريقة او تلك وعموما فإننا لا نستطيع التمييز الواضح في هذا النمط لقلة البيانات الأثرية والنصوص الصريحة ثم إن هذا النمط غالبا ما يكون غير مستقر او غير ثابت لأن أصول السكان انحدرت من المصدرين البدوي والمدني فتمازجت معه القيم والعادات والتقاليد وترصعت من هذا النمط ومن ذاك ولكنها في اساسها ظلت منسجمة مع القيم السامية الشرقية وعاشت فترة طولة عبر العصور للدرجة التي وصلنا منها الشيء الكثير وإن كان ذلك على شكل خرافات واساطير وامثال وقيم مأثورة لا نعرف مصدرها المكاني والزماني المحددين
المراجع
عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن