مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ٢٢ – اللغة النبطية

انت حضارة الانباط مزيجا من عناصر عربية وآرامية ويونانية ورومانية فقد جمعت بين اللغة العربية في حياتهم اليومية والكتابة الارامية في نقوشهم ومعاملاتهم وقد تطورت الكتابة النبطية تدريجيا حتى اتخذت طابعا خاصا بها في القرن الاول قبل الميلاد واصبحت اساسا للابجدية العربية فيما بعد ويكشف لنا الخط النبطي والنقوش القديمة عن مراحل الانتقال من الارامية الى العربية وكيف اثرت في لغتنا ولهجاتنا حتى يومنا هذا

قال فيليب حتى “كانت حضارة الأنباط عربية في لغتها آرامية في كتابتها سامية في ديانتها ويونانية ورومانية في فنها وهندستها المعمارية وهي لذلك حضارة مركبة وسطحية في مظهرها الهليني ولكنها عربية في أساسها وبقيت كذلك” كانت اللغة الارامية اللغة الرسمية التي تتفاهم بها الأمم في القرون الأولى قبل الميلاد من ايران شرقا الى سورية غربا ومن اشور شمالا الى فلسطين جنوبا الآرامية كانت لغة السيد المسيح وكان الأنباط يتفاهمون بلغة عربية إلا أنهم كانوا يكتبون كتاباتهم بالارامية التي كانت شائعة في ذلك العصر مع اختلاف قليل بين كتاباتهم وبين الخط الاصلي و بالتدريج انفصلت الكتابة النبطية عن الارامية وحوالي منتصف القرن الأول قبل الميلاد اتخذت طابعها المميز وأصبحت ذات صفة ثابتة واغلب الظن ان هذا التطور كان يرافق تطورا أوسع في المنطقة عنوانها بناء الهويات الوطنية بسبب الصراعات الكبيرة التي تأججت بفعل العديد من العوامل ومنها هجوم الثقافة الهلينية على المنطقة ثم حروب السلاجقة والبطالمة والرومان ثم الحروب النبطية التي راحت تتأجج مع المكابيين اليهود (١٦٧ – ٣٧ ق م) كصراع على الارض وعلى السكان ايضا وعموما تنسب الكتابة النبطية كما تنسب الكتابة العربية الحديثة الى مجموعة “الالف باء” السامية الشمالية

جدول بالحروف النبطية كما تدل عليها النقوش في المرحلة المبكرة في القرن الثاني قبل الميلاد
فيه شكل الحرف بالنبطي واسم الحرف والمقابل العربي له

ولقد امتاز القلم النبطي بمميزات عامة منها أن عدد الحروف يبلغ اثنين وعشرين وأن الكتابة تبدأ من اليمين إلى اليسار وهي بهذا تتشابه مع معظم الاقلام المنحدرة عن القلم السامي القديم والقلم الارامي وعرف الانباط ايضا الوصل وكان هذا قليلا في نقوشهم القديمة ولكنه زاد في النقوش المتأخرة

:استخدم الانباط في الوصل طرقا اربعة

  • طريقة النظم او النضد وهي نظم الحروف برباط يجمع بينهما من اسفل كما هو موضح في كلمة (عبيد)
  • طريقة الاسناد وهي ان يسند حرف على ساق الحرف الذي يليه كما هو الحال في كلمة (بر)
  • طريقة ربط الحرف بذيل الحرف الذي يليه كما هو الحال في كلمة (بر) ايضا
  • طريقة المزج اي مزج حرفين ببعضهما ليجعل منهما شكلا واحدا ولم تستخدم الا في اللام والالف فقط وهذا ناتج عن مزج حرف اللام بحرف الالف (لا)

:ومن المميزات الاخرى التي اتسم بها القلم النبطي خلوه من الاعجام اذ ان بعض أشكال حروفه يمثل اكثر من لفظه وتلك الحروف هي

ب: تؤدي معنى باء ونون
د: تؤدي معنى دال وذال وراء
ح: تؤدي معنى حاء وخاء
ط: تؤدي معنى طاء وظاء
ع: تؤدي معنى عين وغين
ص: تؤدي معنى صاد وضاد
س: تؤدي معنى سين وشين
ت: تؤدي معنى تاء وثاء
ز: تؤدي معنى زاي وذال

وبذلك فإن الاثنين وعشرين حرفا كانت تلفظ تسعة وعشرين صوتا وقد أسقط حرف الالف من بعض الاسماء فكتبوا (حرثت) بدلا من حارث و(ثلثين) بدلا من ثلاثين

الأبجدية العربية جذورها من الأردن

الأبجدية العربية انبثقت من الأبجدية النبطية



واجمالا فقد احدث الانباط تغييرات على بعض الحروف الارامية لتتخذ جديدة هي في الغالب اميل نحو التبسيط اضافة لابتكارهم اشكالا لتسهيل ربط الحروف بعضها ببعض واصبح لبعض الحروف التي بما قبلها وما بعدها ثلاثة اشكال مثل الباء والياء والنون والهاء والكاف

ويلاحظ البعض من الدارسين الكثير من رواسب اللهجة النبطية واللغة الارامية في لغتنا العربية او لهجاتنا الشعبية التي لا زالت حية حتى اليوم وهذه بعض الامثلة التي جمعناها من مصادر متعددة

  • سجد من “سجدة” الارامية بمعنى المكان والسجود وربما كان محل العبادة وفي لبنان قرية تعرف باسم “سجد” من اعمال النبطية
  • قانا بمعنى “العش” وهي قرية في شرقي الاردن وفي لبنان وفي فلسطين
  • الجية المكان المبهج الرائق اللطيف والجي او الجية احد اهم المواقع النبطية في وادي موسى قبل الوصول الى مدخل البترا وفيها اثار نبطية مهمة والجية ايضا من اعمال غزة جوار عسقلان و”الجية” قرية على ساحل البحر بين صيدا وبيروت و”الجاية – الجي” في منطقة معان شرقي الاردن تحريف لكلمة الجية

صيدون: صيد
جشور: جسر وفي العبرية جيشر
دقق: دقيق
قرت: قرية أو مدينة
قدموس: قديم قدماء
طيابا: طيب طيبة
کتن: کتان
يشمع إيل: اسماعيل ومعناها الله يسمع أو سمع الله
لأهام: لحم
أوتيك: عتيق
دامور: تمور
بصة: بصة المستنقع
باراق: برق وعلى الأرجح أن الألف غير أصيلة في الكلمة خصوصا في اللهجة النبطية
حمور: حمار ولا زالت في العبرية الكلمة نفسها
شمش: شمس وهي نفسها بالعبرية
لسن: لسان ويلاحظ غياب الألف من الكلمة الأصيلة
نحس: معدن النحاس

:والكلمات التالية هي نفسها بين العربية والآرامية وقد جرى تعريبها من خلال السريانية
اتون ارز بور السبت كفر (القرية) بطيخ بلوط بطة بركة توت الحور خابية خص دجال (كذاب) زفت (قار) زنار المكس (الضرائب) ومار (بمعنى السيد وكانت هذه الكلمة متكررة كثيرا في النقوش النبطية)

:وفيما يلي مجموعة اخرى من الكلمات الآرامية التي عبرت المراحل الزمنية ولا زالت تحتفظ بسماتها الاصيلة
جبل لون ام اب اخ ثاني ثلاث اربع سبع شمان تسع راس يد بيت ارض تحت كلب قبر

وقد كان اختيار الأنباط للآرامية ضرورة حضارية ووسيلة عملية للتفاهم مع من حولهم ممن يستعملونها في مكاتباتهم وظلت لغة الكتابة بعد ان سقطت دولتهم وقد اثرت الآرامية ومن بعدها اللغة السريانية على ثقافة النبطيين ولغتهم وعلى تكوين المادة اللغوية العربية في شمال الجزيرة كما يتضح لنا من الخط النبطي وتأثيره على تكوين الخط العربي وهناك العديد من النقوش او بالاحرى كتابات منقوشة على احجار تؤشر لنا كيف تطورت اللغة النبطية والعامية الآرامية اي السريانية وقد تداخلت التراكيب اللغوية العربية حتى امكن تحويلها مع الزمن إلى كلمات وحروف عربية بخط يشبه اولا الخط السرياني ثم يقترب تدريجيا من الخط العربي غير المنقوط والمدغم في بعض حروفه والخالي من الحركات مما يشبه الخط المسند السبئي كما يتضح لنا من نقش “النمارة” المحفور على قبر امرؤ القيس ابن عمرو ملك العرب والمؤرخ 223م ونقش “زيد” الذي يقرأ (باسم الإله شرحو بر قيمو بر مر القس حو بر سعدو وسترو و”شريحو بتميمي”) والكلمة الأخيرة كتبت بالسريانية

 نقش النمارة

ويعتقد أن الخط العربي الشمالي بدأ بالانتقال إلى مكة المكرمة في أواسط القرن السادس الميلادي، وقد اقترح كروهمان تاريخ انتقال الكتابة العربية الشمالية إلى مكة وهو حوالي سنة 560م، وقد استند فيه إلى رواية أوردها البلاذري نقلا عن ابن الكلبي وهي أن من أوائل الذين تعلموا الكتابة في مكة كان سفيان بن أمية بن عبد شمس عم أبي سفيان بن حرب، أو والد أبي سفيان وهو حرب بن أمية، مستندا في هذا إلى روايتين للجهشياري ولابن النديم ومهما يكن من الامر فلا يمكن الجزم بنوع الكتابة التي كان يحسنها قصي وليس من المستبعد أن يكون القلم العربي الشمالي، وقد حاول بعض الدارسين تحديد خط انتقال الخط العربي الشمالي إلى الجزيرة العربية عن طريق الحيرة أي عن طريق جنوب العراق استنادا إلى بعض الشواهد والاخبار، غير أن اتجاها اخر كان أكثر إصرارا على أن الانتقال حدث عن طريق آخر هو طريق أعالي الحجاز وبلاد الشام

ومن هؤلاء جواد علي الذي قال بأن صلة هذا القلم بأعالي الحجاز وبلاد الشام أقرب من صلته بالحيرة والانبار، ومنهم أيضا صلاح الدين منجد الذي يرى بأن عرب الحجاز قد اقتبسوا خطهم عن الانباط نظرا للاتصال المباشر بهم في أثناء رحلاتهم الدائمة إلى الشام، باعتبار أن الطرق البرية بين الحجاز والشام كانت تمر في بلادهم ورحلة الشتاء والصيف الواردة في القرآن الكريم تشير إلى ذلك، وثمة من الشواهد والأخبار ما يصعب حصره بصلة أهل الحجاز ببلاد الشام خصوصا جنوبها الذي كان ممرا رئيسيا للحجاز ومنها، ومما يؤكد رسوخ هذه العلاقة وقدَمها أن بعض الاخباريين العرب عزا إلى الشام انتقال الاصنام إلى الحجاز، وعلى الأرجح فإن عددا من أهل الحجاز قد انتقلوا للعيش في بلاد الشام فترات طويلة وربما أنهم كونوا جالية هناك مثلما يجري عادة بين الجماعات التي تتعاطى التجارة فيما بينها، ولا بد أن عددا منهم قد تصاهروا فيما بينهم بالزواج والافتراض أن الأنباط أنفسهم أقاموا لهم جالية في مكة على قدر كبير من الوجاهة إذا ما علمنا أن النبط أقاموا جاليات كبيرة في عدد من المدن البعيدة عن بلادهم كمدينة بيتولي في ايطاليا ومدينة ممفيس في مصر وفي دمشق وعلى الأرجح في غزة وفي بلاد الفينيقيين وربما كانت النبطية في لبنان من آثار جاليتهم هناك

وعن الاسباب التي حملت علماء الساميات الى الجزم بان النبط اعتمدوا في قلمهم اساسا على القلم الارامي يرجع الى شكل الحروف وعددها والى امور مشتركة متعددة اخرى تربط بين القلمين منها الفصل والوصل وطريقة كتابتها ثم عددها وترتيبها الابجدي، ففي شكل الحروف مثلا يلاحظ انها اعتمدت في اغلبها على حروف القلم الارامي، وفي جزء يسير منها على الخطوط الاخرى المعاصرة لها مثل القلم العبري المربع والتدمري الذي تطور عن القلم الارامي الذي ظهر بين سنتي 250 ق م و 100 ق م وذلك بمقارنة تلك الحروف بالحروف النبطية القديمة منها والمتاخرة هذا بالاضافة الى ان الانباط قد عدلوا في اشكال بعض الحروف المقتبسة مما جعل للبعض منها صورا بعيدة بعض الشيء عما كانت عليه في الاصل، ولم يكتف النبط بالاشكال القديمة والمعاصرة، فقد ابتكروا للبعض منها صورا جديدة تسهيلا لعملية الفصل والوصل

المراجع

عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن

Previous:
مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ٢١ – القيم والعادات بين البداوة والمدنية في المجتمع النبطي
Next:
مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ٢٣ – الأدب والشعر والموسيقى والفنون