المملكة الأردنية الأدومية، جزء: ٢٤ – قوس (إله أدوم)
الإله قوس كان من أبرز الآلهة القومية لدى الأدوميين، مرتبطًا بالعواصف والمطر والحرب والخصوبة تدل النقوش والآثار على انتشار عبادته منذ القرن الثامن قبل الميلاد وارتباطه بالملوك والأمراء الأدوميين ظل حضور قوس مستمرًا رمزيًا في التقاليد الدينية لدى الأنباط بعد اندماج الأدوميين معهم
أصل الاسم
الاسم “قوس” (باللغة الأدومية) يعني حرفيًا “القوس”، ويعتقد أنه إشارة إلى وظيفة إلهية تتعلق بالعواصف والمطر — أي أنه كان إلهًا للطبيعة والخصوبة إلى جانب الحرب أو القوة
يعد من أبرز الآلهة القومية عند الأدوميين، وتشير الأدلة الأثرية إلى انتشار عبادته منذ القرن الثامن قبل الميلاد، خاصة من خلال ألقابه في أسماء ملوك أدوميين مثل (“قوس هو الملك”) و (“قوس هو الجبّار”)، وهما مذكوران في سجلات الملوك الآشوريين
يشير الباحث جستن كيلي إلى أن “قوس” كان إلهاً قومياً بارزاً للأدوميين، وأن الأدلة الأثرية والكتابية تدعم هذا الدور خلال العصر الحديدي
نصوص مصرية قديمة — مثل تلك في معابد الكرنك ومدينت حابو — تتضمن أسماءً تحمل جذر كجزء من أسماء الأشخاص أو العشائر، ما قد يدل على عبادة أو تكريم هذا الإله منذ زمن مبكر، حتى قبل ظهور المملكة الأدومية
دوره ووظيفته
قوس يصور أحيانًا كـ إله للعواصف والمطر، والخصوبة، والقوة
الدليل الأثري
- عثر في النقوش واللقى النبطية على تصوير للإلهة أترعتا ، وتظهر وعلى رأسها نسر، ويعتقد أن هذا النسر كان رمزًا مرتبطًا بالإله الأدومي قوس، مما يشير إلى استمرار حضوره الرمزي والديني حتى في الفترات اللاحقة بعد اندماج الأدوميين بالأنباط. ترتبط رمزية النسر عادةً بعلو السماء والقوة والسيادة، وهي صفات تتماشى مع طبيعة قوس كإله للعاصفة والحرب والخصوبة. وكما عرف اسمه بمعنى “القوس”، في إشارة إلى قوس البرق أو قوس المطر، فإن وجود النسر على رأس الإلهة يوحي باستمرار رمزية قوس حتى في الثقافة النبطية اللاحقة. هذا الدليل الأثري يبرهن أن حضور قوس لم يختف مع سقوط مملكة أدوم في القرن السادس قبل الميلاد، بل استمر بشكل رمزي في تقاليد دينية لاحقة، وخصوصًا عند الأنباط الذين ورثوا كثيرًا من الرموز الأدومية
- استخدم اسم “قوس” في النقوش والتفاصيل الطينية، مثل تلك الموجودة في نقوش صحراء النقب، حيث وردت عبارة “وهباركتك لقوس” – أي: وأباركك باسم قوس
- كذلك وجدت إشارات مماثلة في موقع صحراء النقب، حيث استخدمت العبارات “ل-قوس” في سياقات دينية
- معبد في نقوش صحراء النقب يرجح أنه كان مكرسًا لعبادة قوس، رغم أن الأدلة ليست قاطعة بشكل كام

تصوير نبطي للإلهة أترعتا، ويعتقد أن النسر الموجود على رأسها هو رمز للإله قوس
الدليل الأثري والنقوشي على عبادة قوس
- ختم إدومي على أمّ البيّارة – (منطقة البتراء، الأردن)
يرجح تأريخ الختم بأواخر القرن السابع قبل الميلاد، بناء على إشارات مماثلة في نقوش آشورية (الملك قوس-جبر المذكور لدى آشور)
اكتشف ختم طيني يظهر نقشاً كتب فيه
ملك أدوم (أي: قوس-جبر، ملك أدوم)
هذا الختم يعد من أرفع الأدلة على وجود عبادة قوس، ويظهر ارتباطه بالسلطة الملكية الأدومية
- ختم من تل الخليفة – (العقبة)
وجد ختم يحمل نقشاً خادم الملك، مما يدل على استخدام اسم الإله قوس في أسماء المسؤولين
:يتكون الختم من سطرين
السطر الأول: (ل ق و س ع ن ل) ويفسَّر بأن الختم يعود إلى “قوس عن”، وهو اسم علم يعني قوس أجاب
السطر الثاني: (ع ب د ه م ل ك) ويعني خادم الملك
يعزى هذا الختم إلى الفترة بين القرن الثامن والسادس قبل الميلاد، في سياق النفوذ الأدومي على طرق التجارة

طبعة ختم أدومي- موقع تل خليفة
Gluek 1938: Fig.6
- نقوش من مواقع مثل تل عرعير ونقوش صحراء النقب
هذه المواقع كانت ضمن النفوذ الأدومي، خصوصًا خلال القرن السابع ق.م
في هذه المواقع (النقب)، وجدت نقوش وأختام تحمل أسماءً إدومية فيها عنصر الإلهي
عبادة الأدوميين للإله قوس
شكّل الإله قوس الإله القومي للأدوميين، تمامًا كما كان كموش إلهًا لمؤاب وملكوم إلهًا لعمون. ويعد قوس من أبرز الرموز الدينية والسياسية في مملكة أدوم منذ القرن الثامن قبل الميلاد على الأقل، إذ ارتبط اسمه بالملوك والأمراء الأدوميين وظهر في النقوش والنصوص الآشورية والبابلية
تظهر الأسماء الملكية الأدومية بوضوح مركزية قوس في الهوية الدينية والقومية، مثل اسم الملك قوس-ملكا (قوس هو الملك) واسم الملك قوس-جبر (قوس هو الجبّار). هذه الأسماء لم تكن مجرد ألقاب شخصية، بل كانت إعلانًا سياسيًا بأن الشرعية الملكية تستمد قوتها من حماية الإله القومي
كشفت الحفريات الأثرية عن نقوش دينية تذكر قوس بشكل مباشر، من بينها عبارة: “وباركتك لقوس”، أي أن البركة تنسب للإله قوس وحده. ويعتقد أن بعض المعابد الصغيرة في صحراء النقب وجنوب الأردن كانت مكرسة لعبادته، وربما كان له معبد مركزي في منطقة البتراء أو في عاصمة أدوم بصيره
كان قوس في المعتقد الأدومي إلهًا جامعًا لصفات الخصوبة والعاصفة والحرب، وهو ما يفسر ارتباطه بالقوس كرمز سماوي يجمع بين المطر والبرق والقوة. وقد كان الأدوميون يستنصرون به في معاركهم ضد جيرانهم، كما نسبوا له النصر والحماية وخصب الأرض
لقد ظلت عبادة قوس مكوّنًا أساسيًا من الهوية الدينية للأدوميين حتى سقوط مملكتهم في القرن السادس قبل الميلاد، حين دمجت جماعات الأدوميين لاحقًا في الأنباط وجماعات جنوب يهوذا. ومع ذلك، يبقى قوس شاهدًا على الدور الديني والسياسي الذي لعبته الآلهة القومية في تشكيل تاريخ الممالك الأردنية القديمة
خط زمني لعبادة الإله قوس
- القرن الثامن قبل الميلاد
الأسماء الملكية الأدومية في النقوش الآشورية
الملك قوس-ملكا ( قوس هو الملك)
الملك قوس-جبر ( قوس هو الجبار/البطل)
الأهمية: دليل مبكر على أن قوس كان الإله الرسمي المرتبط بالشرعية الملكية
- القرن السابع – السادس قبل الميلاد
نقوش صحراء النقب
نص ديني قصير: وباركتك لقوس
الأهمية: أول ذكر مباشر لعبادة قوس في صيغة بركة دينية
- القرن السادس قبل الميلاد
موقع صحراء النقب
عثر على معبد أدومي صغير يحوي أوانٍ طقسية وتماثيل صغيرة، مع نقوش باسم قوس
الأهمية: يثبت وجود ممارسات طقسية منظمة لعبادة قوس في الشتات الأدومي داخل أراضي يهوذا بعد السبي البابلي
- القرن السادس – الخامس قبل الميلاد
إشارات في النقوش البابلية والفارسية المتأخرة
استمرار ذكر أسماء أدومية مركبة على قوس
الأهمية: يثبت أن عبادة قوس بقيت حيّة حتى بعد سقوط مملكة أدوم على يد البابليين، مع اندماج الأدوميين لاحقًا في النبط واليهود
- العصر الهلنستي – الروماني المبكر
لا توجد معابد باقية ل قوس، لكن تأثيره يظهر في استمرار بعض الأسماء الأدومية في النقوش النبطية المبكرة
الأهمية: عبادة قوس تلاشت تدريجيًا، لكن إرثه استمر ثقافيًا عبر الأسماء والتقاليد
المراجع
John Bartlett, Edom and the Edomites (JSOT Press, 1989)
J. M. Crowell, “The Edomite Origins: The Evidence of the Inscriptions and Material Culture” (Harvard PhD Dissertation, 2001)
Inscriptions from Horvat Uza and Horvat Qitmit Southern Judah, Iron Age
د. زيدان عبدالكافي كفافي، الأردن في العصور الحجرية، مؤسسة آل البيت، عمان