المملكة الأردنية المؤابية، جزء: ١٤ – عشتروت (إلهة مؤاب)
تمثل المملكة المؤابية مرحلة هامة في تاريخ الاردن القديم، حيث اسستها الملكة عشتروت وزوجها الملك كموش لتوحيد الاراضي والناس بعد نهاية المملكة الاردنية الايمية كان لهذه المملكة دور بارز في الاستقرار السياسي والاجتماعي وازدهار الاقتصاد والثقافة في المنطقة، واصبحت رمزًا للوحدة والقوة والقيادة الرشيدة بعد موت عشتروت وكموش تحول الزوجان الى الهين يعبدهما الشعب، لتصبح عشتروت الكاهنة الملكة المؤابية اول امرأة اردنية تتحول الى الهة وتخلد سيرتها
الملكة عشتروت والملك كموش اللذان حولهما شعبهما الهة لمملكة مؤاب الاردنية بعد موتهما
اضطرب الأمن في أواخر المملكة الأردنية الإيمية، التي استمرت نحو ثمانية آلاف سنة (من 12000 إلى 4000 قبل الميلاد)، لتقوم بعدها المملكة الأردنية المؤابية التي امتدت من 4000 إلى 450 قبل الميلاد
ونتيجة لهذا الاضطراب، وغياب الاستقرار في المملكة الإيمية التي كانت عاصمتها قير حارسة الكرك، اقتربت أراضيها من التفكك الجغرافي والاجتماعي والسياسي، فأصبحت مطمعًا للقوى المجاورة والبعيدة، وخاصة ممالك وادي النيل وبلاد الرافدين وأناضول، بسبب ضعفها وانقسامها، إضافة إلى غناها بالثروات الطبيعية وموقعها الاستراتيجي المتميز، حتى كادت أن تختفي من الخارطة السياسية
وأصبحت منطقة الكرك الإيمية هدفًا للغزاة والقبائل الطامعة، نظرًا لغنى بلاد مؤاب بمصادر المياه العذبة والمعدنية، والإنتاج الزراعي والحيواني، إضافة إلى الصخور الزيتية والقطران والزفت والملح من البحر الميت، والأعشاب العطرية والطبية. كما ساهم تنوع المناخ في أراضيها من الغور إلى البادية، وكثرة محطاتها التجارية وأسواقها المزدهرة بالإنتاج المحلي والمستورَد عبر القوافل العابرة في جميع الاتجاهات، في جعلها منطقة ذات أهمية استراتيجية وجاذبية اقتصادية كبيرة
عندما عمت الفوضى نهايات المملكة الأردنية الإيمية نحو عام 4000 قبل الميلاد، نشأ فراغ سياسي نتيجة غياب القيادات القادرة على إنقاذ البلاد وتوحيدها. في هذه الظروف، لجأ الناس إلى الكاهنة السيدة المؤابية عشتروت، المشهورة بمصداقيتها وزهدها وثقة الناس بها، وامتلاكها لصفات قيادية جعلتها شخصية وطنية أردنية صافية
كانت عشتروت ملتزمة بالاحتشام والعفة والزهد، كما أظهرت رحمة وعطفًا على الفقراء والمساكين واهتمامًا كبيرًا بتربية الأيتام. وقد كانت أول من اعتنى بذوي الاحتياجات الخاصة من جرحى الحروب، وكانت غنية بما يقدمه الناس إليها من إنتاج ومؤنة لمن تحت رعايتها من أيتام وضيوف وعابرين، حتى أصبح الجميع حريصًا على استمرار الكاهنة وحمايتها وتأمين حاجاتها، إذ كانت ملاذًا آمنًا للجميع. وكان زوجها الكاهن المؤابي كموش يساندها، متصفًا بنفس الصفات النبيلة التي امتازت بها زوجته
:كانت عشتروت لتسعى اقامة مشروعها ببناء المملكة الجديدة (المؤابية), لتحقيق امرين هما
- سعت الكاهنة عشتروت وزوجها كموش إلى توحيد البلاد جغرافياً وإقامة مملكة جديدة تحت اسم المملكة الأردنية المؤابية، لتكون خلفاً للمملكة الأردنية الإيمية. وقد تولى الزوجان حكم المملكة معاً، ونصبهما الشعب ملكين على رأس هذه الدولة، فأسسا مملكة قوية ومتماسكة ذات إدارة ثنائية. ووافق الجميع على تغيير الاسم والعنوان السياسي، من المملكة الأردنية الإيمية إلى المملكة الأردنية المؤابية
- تم توحيد الشعب والأرض، وإقامة مؤسسات الدولة، وتعيين الكرك المحروسة عاصمةً للمملكة الجديدة
الاله كموش وزوجته الالهة عشتروت
بعد وفاة الملكة عشتروت وزوجها كموش، تحولا إلى إلهين يعبدهما أهل مملكة مؤاب بنفس الأسماء، وانتشرت عبادة عشتروت الكركية المؤابية الأردنية لتصبح معبودة لدى كثير من الشعوب تحت أسماء متقاربة. وكانت بذلك أول امرأة أردنية تتحول إلى إلهة بعد وفاتها، تكريمًا لسيرتها العطرة وتقديرًا لمحبتها وطاعة واحترام الناس لها
وبذلك تعد الكاهنة الملكة عشتروت المؤسس الحقيقي للمملكة الأردنية المؤابية، وصانعة تاريخها الطويل، حيث استمرت المملكة قوية وعظيمة نحو أربعة آلاف سنة تقريبًا، من 4000 إلى 450 قبل الميلاد. وأحب المؤابيون عشتروت وزوجها كموش، حتى لم يترددوا في تحويلهما إلى الإلهين الرسميين لمملكة مؤاب: الإله كموش وزوجته الإلهة عشتروت

تماثيل نسائية فخارية، الأردن (1000-539 قبل الميلاد) تماثيل ربما لعشتاروت (الأميرة عشتاروت المؤابية، التي أسست مملكة مؤاب الأردنية) إلهة الخصوبة والحب متحف الأردن
عشتاروت الاردنية المؤابية وتأثيرها على الآلهة في المنطقة
أسست عشتاروت مملكة عظيمة استمرت لحوالي أربعة آلاف سنة، وأرست قواعدها وأركانها بما مكنها من الاستقرار والاستمرار والتقدم والازدهار. وأصبحت عشتروت الأردنية المؤابية الكركية واحدة من أهم الآلهة في بلاد ما بين النهرين، حيث عُرفت كإلهة للقوة والعنف، وألهمت الرهبة لدى الآلهة الأخرى والبشر على حد سواء. وقد عبدها الأشوريون كإلهة للحرب، وجعلوها زوجة إلههم الوطني آشور
كان لعشتار تأثير كبير على العديد من الآلهة التي ظهرت بعدها بما في ذلك إلهة الحب اليونانية الشهيرة أفروديت وتحولت الكاهنة عشتاروت الى إلهة الحب والحرب العظيمة عشتار

عشتار هي إلهة الحب والجمال، الحرب والتضحية بالحروب عند حضارات منطقة بلاد الرافدين
عشتار في المتحف البريطاني
وفي تدمر البادية السورية صار لعشتار دور رمزي في الحرب وأنها صارت الالهة التي تعمل على اقامة العدل وحبها لحماية المجتمعات التي اعتنت بها وجعلها رمزا ثقافيا دائمًا, وقد تم استنساخ متطابق من الجبس للنحت الذي يمثل الالهة عشتار وعثروا عليه والذي تم اكتشافه في تدمر ويعود تاريخه الى 1800 عام وهو معروض الآن في المتحف الوطني السوري بدمشق
عشتروت هي ايضا إلهة الخصب لدى الفينيقيين والكنعانيين وصارت اصل عقيدة إيزيس لدى قدماء المصريين ويطلق عليها البابليون أشتار و تأنيت لدى القرطاجيين و أفروديت وهيرا وسيبل لدى الإغريق
ومن عشتار تم استنساخ آلهة الحب والحرب الاكادية، واشتقت عشتروت (عشتارت او عشتاره) آلهة الحب والجمال، وعشيرة (اشيرا، اثيرة، ايلات) الالهة الام، سيدة الاموريين (الأردنيين وكانت عاصمتهم حسبان ) والكنعانيين، والتي منها اشتق عشتر او عشتار الاله الري، ومن عشتروت كذلك اشتق عتر الهة الاراميين وزوجة (الإله حدد)، التي اشتق منها عطراتس (اترعتا)، الالهة الام السورية الكبرى التي وجد لها آثار في البتراء في الاردن، لأنها نبعت من الاردن

تمثال أترعتا النبطي المكتشف في خربة التنور التي تقع الآن في جنوب الأردن
ويذكرها الكتاب المقدس باسم عشتورث (عشتاروث | عشتروت | عشتاروت) وبذلك صارت عشتار الأردنية المؤابية الهة الامبراطوريات القديمة التي ازدهرت حول نهري دجلة والفرات في سوريا والعراق والخليج العربي وإيران وتركيا اليوم هذه هي المرأة الأردنية
صارت الهة الرئيسة في كل من دولتي بابل وأشور الذين سموها عشتار وفي مدن الفينيقيين وعلى سواحل بلاد كنعان ولبنان وسورية وهي آلهة واحدة في كل هذه المناطق إلا أن اسمها والقليل من طقوسها تختلف بين مكان وآخر اختلافًا سطحيًا وهي ربة الامومة وأم الربات وهي نفسها الآلهة إينانة عند السومريين الإلهة الأم العذراء وكذلك سماها اليونانيون أسترتي
وهكذا نجد ان الاردنيين : ( كموش ) وزوجته (عشتار) صارا الهين لمملكة المؤابيين، وقد سمى المؤابيون انفسهم انهم امة كموش وشعب كموش وَسُمّيَ كموش “رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ” لدى اليهود، وتقول التوراة ان النبي سليمان ادخل عبادة كموش الى اورشليم وابطلها يوشيا مسميًا اياها رَجَاسَةِ الْمُوآبِيِّينَ
“حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ”
(1 ملوك 11: 7)
أَلَيْسَ مَا يُمَلِّكُكَ إِيَّاهُ كَمُوشُ إِلهُكَ تَمْتَلِكُ؟ وَجَمِيعُ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ إِلهُنَا مِنْ أَمَامِنَا فَإِيَّاهُمْ نَمْتَلِكُ.” (قض 11: 24)”
“فَذَهَبَ سُلَيْمَانُ وَرَاءَ عَشْتُورَثَ إِلهَةِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَمَلْكُومَ رِجْسِ الْعَمُّونِيِّينَ. وَعَمِلَ سُلَيْمَانُ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلَمْ يَتْبَعِ الرَّبَّ تَمَامًا كَدَاوُدَ أَبِيهِ. حِينَئِذٍ بَنَى سُلَيْمَانُ مُرْتَفَعَةً لِكَمُوشَ رِجْسِ الْمُوآبِيِّينَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي تُجَاهَ أُورُشَلِيمَ، وَلِمُولَكَ رِجْسِ بَنِي عَمُّونَ. وَهكَذَا فَعَلَ لِجَمِيعِ نِسَائِهِ الْغَرِيبَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ يُوقِدْنَ وَيَذْبَحْنَ لآلِهَتِهِنَّ.” ( ملوك 11: 5-8)
وفي الكتابة على الحجر الموآبي/ مسلة ميشع في ذيبان، ينسب الملك ميشع انتصاراته الى كموش، وكانت طريقة عبادته تشبه من كل الوجوه عبادة الاله ملكوم العموني والظاهر من ان كموش كان يتصل بملكوم اله العمونيين صلة وثيقة
المراجع
د . احمد عويدي العبادي – كتاب المملكة الأردنية الأدومية، عمان – الأردن
د . احمد عويدي العبادي – كتاب المملكة الأردنية المؤابية، عمان – الأردن
د . احمد عويدي العبادي – كتاب اردنيات صنعن التاريخ، عمان – الأردن
نقش ميشع (نقش مؤاب)
The Mesha Stele, drivethruhistory.com