الانتقام من المملكة الأردنية الأدومية ونبوءات التوراة على خرابها
يتناول هذا النص التاريخ العسكري والسياسي للأدوميين والممالك الأردنية وعلاقتهم ببني إسرائيل ويستعرض الأحداث التي وقعت في عهد الملك أحاز وغزوات الأدوميين والفلسطينيين على يهوذا كما يوضح النص دور الجواسيس ونصوص القرآن والتوراة في وصف قوة الجبارين والعماليق وأهمية قادش برنيع
رسم توضيحي من مجموعة فيليب ميدهورست – يشوع وهو يقاتل عماليق
حكم الملك أحاز والتهديد الأدومي
نجد في النص التوراتي أيضًا ما يلي: (وفي حكم أحاز غزا الأدوميون سبط يهوذا وأسروا منه البعض)
وأما أحاز فهو اسم عبري ومعناه “هو أمسك” أي (الرب أمسك) وهو الملك الحادي عشر من ملوك يهوذا وقد ورد اسمه بصورة أَحاز حيث جاء النص: “وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ وَأَحَازُ وَلَدَ حِزْقِيَّا” (إنجيل متى 1:9)
وقد ذكر في نقوش تغلث فلاسر ويعني بالأكادية (توكلي على ابن العشيرة) وهو ملك آشور باسم يوحزي الذي يقابله يهو أحاز في العبرية حكم الدولة الآشورية من 745 – 727 ق.م
وقد خلف أباه يوثام في الملك وكان في العشرين من العمر وكان ذلك في سنة 736 ق.م
وقد تعلق قلبه بحب الأصنام منذ أول حكمه وذهب أحاز إلى دمشق مع غيره من الملوك الخاضعين لآشور لتقديم فروض الولاء لتغلث فلاسر كما ذكر في النقوش الآشورية وبينما هو هناك أعجب بمذبح الوثن وأمر أن يصنع مذبحًا يشبهه في أورشليم
وفي السنوات الأخيرة من حكم الملك احاز، اجتاحت الفلسطينيين مدن السواحل وجنوب يهوذا، كما هاجم الأردنيون أهل سعير يهوذا (2 أخبار 20: 18، 19)، وتذكر التوراة ذلك في سفر الأخبار الثاني: “وَالآنَ هُوَذَا بَنُو عَمُّونَ وَمُوآبُ وَجَبَلُ سَاعِيرَ، الَّذِينَ لَمْ تَدَعْ إِسْرَائِيلَ يَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ حِينَ جَاءُوا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، بَلْ مَالُوا عَنْهُمْ وَلَمْ يُهْلِكُوهُمْ،”فَهُوَذَا هُمْ يُكَافِئُونَنَا بِمَجِيئِهِمْ لِطَرْدِنَا مِنْ مُلْكِكَ الَّذِي مَلَّكْتَنَا إِيَّاهُ. يَا إِلهَنَا أَمَا تَقْضِي عَلَيْهِمْ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ الآتِي عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا نَعْمَلُ وَلكِنْ نَحْوَكَ أَعْيُنُنَا” وكان كل يهوذا واقفين أمام الرب مع أطفالهم ونسائهم وبنيهم
التحالفات العسكرية الأردنية ضد بني إسرائيل
يبين هذا النص قوة الجيش الادومي عدداً وعدة، ويكشف عن التحالف بين الممالك الأردنية وتشكيل جبهة عسكرية موحدة لمواجهة موسى وهارون وقومهما، إذ كان وجود النبيين مع بني إسرائيل عاملاً أساسياً، وبدونهم لما كانت لقوات بني إسرائيل القدرة على مجابهة الأردنيين وحدهم، ويظهر ذلك في النص التوراتي: “يَا إِلهَنَا أَمَا تَقْضِي عَلَيْهِمْ، لأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا قُوَّةٌ أَمَامَ هذَا الْجُمْهُورِ الْكَثِيرِ الآتِي عَلَيْنَا، وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ مَاذَا نَعْمَلُ وَلكِنْ نَحْوَكَ أَعْيُنُنَا” (2 أخبار 20: 18، 19)
وفي مواجهة هذا التهديد، لجأ الملك احاز إلى طلب معونة تغلث فلاسر ليحميه من الأردنيين، ومن بينهم الادوميون، لكن ملك آشور ضايقه ولم يمنحه الدعم، فانحاز تغلث فلاسر إلى الأردنيين. وفي خضم هذه الضائقة ازداد احاز خيانة للرب “فَجَاءَ عَلَيْهِ تِلْغَثُ فِلْنَاسِرُ مَلِكُ أَشُّورَ وَضَايَقَهُ وَلَمْ يُشَدِّدْهُ. لأَنَّ آحَازَ أَخَذَ قِسْمًا مِنْ بَيْتِ الرَّبِّ وَمِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ وَمِنَ الرُّؤَسَاءِ وَأَعْطَاهُ لِمَلِكِ أَشُّورَ وَلكِنَّهُ لَمْ يُسَاعِدْهُ. وَفِي ضِيقِهِ زَادَ خِيَانَةً بالرَّبِّ الْمَلِكُ آحَازُ هذَا،” (2 أخ 28: 20-22).
وبرز في عصره أنبياء بني إسرائيل وهم: هوشع وميخا واشعيا
دور أنبياء بني إسرائيل في مواجهة الأدوميين
توفي الملك احاز عن عمر يناهز السادسة والثلاثين سنة 721 قبل الميلاد بعد حكم ستة عشر عامًا أساء فيها الحكم وعمل الشر في عيني الرب، ولم يتمكن خلالها من هزيمة الأردنيين أو تدميرهم
وعندما أخرب نبوخذ نصر ملك بابل أورشليم، فرح الأدوميون وابتهجوا بهذا الخراب وجاء النص كما يلي: “اذكر يا رب لبني أدوم يوم أورشليم، القائلين هدوا هدوا حتى إلى أساسها يا بنت بابل المخرَّبة، طوبى لمن يجازيك جزاءك الذي جازيتنا طوبى لمن يمسك أطفالك ويضرب بهم الصخرة” (سفر المزامير 137: 7)
السيطرة الأدومية على جنوب كنعان وأحداث السبي
وبقيت الحروب سجالا بين الأدوميين والإسرائيليين، إلى أن قام الأدوميون بغزو سبط يهوذا، وأسروا كثيرا من اليهود، كما فرحوا عندما أخرب نبوخذ نصر مملكة اليهود وسَبَا أهلها إلى بابل، وبسبب العداوات العميقة والدموية بين الأدوميين الأردنيين واليهود، وهي واضحة في نصوص العهد القديم، حيث الحقد على الأدوميين والدعاء بالخراب والدمار على أدوم وأهلها
فقد فرح الأدوميون بخراب القدس على يد نبوخذ نصر، كما أن سائر الممالك الأردنية آنذاك تحالفت معه ضد ممالك اليهود، وبعد سبي اليهود إلى بابل استولوا على جنوب بلاد كنعان حتى مدينة الخليل، وجاء في النص التوراتي توثيق ذلك
أما الأنبياء اليهود، فقد تنبأوا بالكوارث التي ستحل بأدوم بسبب عدائهم لإسرائيل، وتمنوا هذه المصائب لأدوم، كما تنبأوا عن دخول الأدوميين لملكوت الله (أرميا 49: 7-22، مراثي 4: 21-22، حزقيل 25: 12-14، يؤاب 3: 19) وعندما سبى نبوخذ نصر مملكة يهوذا إلى بابل، استولى الأدوميون على مناطق جديدة من أرض كنعان وحتى مدينة حبرون أي الخليل
“عَنْ أَدُومَ: «هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: أَلاَ حِكْمَةَ بَعْدُ فِي تِيْمَانَ؟ هَلْ بَادَتِ الْمَشُورَةُ مِنَ الْفُهَمَاءِ؟ هَلْ فَرَغَتْ حِكْمَتُهُمْ؟ اُهْرُبُوا. الْتَفِتُوا. تَعَمَّقُوا فِي السَّكَنِ يَا سُكَّانَ دَدَانَ، لأَنِّي قَدْ جَلَبْتُ عَلَيْهِ بَلِيَّةَ عِيسُو حِينَ عَاقَبْتُهُ. لَوْ أَتَاكَ الْقَاطِفُونَ، أَفَمَا كَانُوا يَتْرُكُونَ عُلاَلَةً؟ أَوِ اللُّصُوصُ لَيْلًا، أَفَمَا كَانُوا يُهْلِكُونَ مَا يَكْفِيهِمْ؟ وَلكِنَّنِي جَرَّدْتُ عِيسُوَ، وَكَشَفْتُ مُسْتَتَرَاتِهِ فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَبِئَ. هَلَكَ نَسْلُهُ وَإِخْوَتُهُ وَجِيرَانُهُ، فَلاَ يُوجَدُ. اُتْرُكْ أَيْتَامَكَ أَنَا أُحْيِيهِمْ، وَأَرَامِلُكَ عَلَيَّ لِيَتَوَكَّلْنَ. لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَا إِنَّ الَّذِينَ لاَ حَقَّ لَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا الْكَأْسَ قَدْ شَرِبُوا، فَهَلْ أَنْتَ تَتَبَرَّأُ تَبَرُّؤًا؟ لاَ تَتَبَرَّأُ! بَلْ إِنَّمَا تَشْرَبُ شُرْبًا. لأَنِّي بِذَاتِي حَلَفْتُ، يَقُولُ الرَّبُّ، إِنَّ بُصْرَةَ تَكُونُ دَهَشًا وَعَارًا وَخَرَابًا وَلَعْنَةً، وَكُلُّ مُدُنِهَا تَكُونُ خِرَبًا أَبَدِيَّةً. قَدْ سَمِعْتُ خَبَرًا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ، وَأُرْسِلَ رَسُولٌ إِلَى الأُمَمِ قَائِلًا: تَجَمَّعُوا وَتَعَالَوْا عَلَيْهَا، وَقُومُوا لِلْحَرْبِ. لأَنِّي هَا قَدْ جَعَلْتُكَ صَغِيرًا بَيْنَ الشُّعُوبِ، وَمُحْتَقَرًا بَيْنَ النَّاسِ. قَدْ غَرَّكَ تَخْوِيفُكَ، كِبْرِيَاءُ قَلْبِكَ، يَا سَاكِنُ فِي مَحَاجِئِ الصَّخْرِ، الْمَاسِكَ مُرْتَفَعِ الأَكَمَةِ. وَإِنْ رَفَعْتَ كَنَسْرٍ عُشَّكَ، فَمِنْ هُنَاكَ أُحْدِرُكَ، يَقُولُ الرَّبُّ. وَتَصِيرُ أَدُومُ عَجَبًا. كُلُّ مَارّ بِهَا يَتَعَجَّبُ وَيَصْفِرُ بِسَبَبِ كُلِّ ضَرَبَاتِهَا! كَانْقِلاَبِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَمُجَاوَرَاتِهِمَا، يَقُولُ الرَّبُّ، لاَ يَسْكُنُ هُنَاكَ إِنْسَانٌ وَلاَ يَتَغَرَّبُ فِيهَا ابْنُ آدَمَ. هُوَذَا يَصْعَدُ كَأَسَدٍ مِنْ كِبْرِيَاءِ الأُرْدُنِّ إِلَى مَرْعًى دَائِمٍ. لأَنِّي أَغْمِزُ وَأَجْعَلُهُ يَرْكُضُ عَنْهُ. فَمَنْ هُوَ مُنْتَخَبٌ، فَأُقِيمَهُ عَلَيْهِ؟ لأَنَّهُ مَنْ مِثْلِي؟ وَمَنْ يُحَاكِمُنِي؟ وَمَنْ هُوَ الرَّاعِي الَّذِي يَقِفُ أَمَامِي؟ لِذلِكَ اسْمَعُوا مَشُورَةَ الرَّبِّ الَّتِي قَضَى بِهَا عَلَى أَدُومَ، وَأَفْكَارَهُ الَّتِي افْتَكَرَ بِهَا عَلَى سُكَّانِ تِيمَانَ: إِنَّ صِغَارَ الْغَنَمِ تَسْحَبُهُمْ. إِنَّهُ يَخْرِبُ مَسْكَنَهُمْ عَلَيْهِمْ. مِنْ صَوْتِ سُقُوطِهِمْ رَجَفَتِ الأَرْضُ. صَرْخَةٌ سُمِعَ صَوْتُهَا فِي بَحْرِ سُوفَ. هُوَذَا كَنَسْرٍ يَرْتَفِعُ وَيَطِيرُ وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ عَلَى بُصْرَةَ، وَيَكُونُ قَلْبُ جَبَابِرَةِ أَدُومَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ كَقَلْبِ امْرَأَةٍ مَاخِضٍ».”
(أرميا 49: 7-22)
اِطْرَبِي وَافْرَحِي يَا بِنْتَ أَدُومَ، يَا سَاكِنَةَ عَوْصٍ. عَلَيْكِ أَيْضًا تَمُرُّ الْكَأْسُ. تَسْكَرِينَ وَتَتَعَرَّينَ
قَدْ تَمَّ إِثْمُكِ يَا بِنْتَ صِهْيَوْنَ. لاَ يَعُودُ يَسْبِيكِ. سَيُعَاقِبُ إِثْمَكِ يَا بِنْتَ أَدُومَ وَيُعْلِنُ خَطَايَاكِ
(مراثي 4: 21-22)
“«هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَدُومَ قَدْ عَمِلَ بِالانْتِقَامِ عَلَى بَيْتِ يَهُوذَا وَأَسَاءَ إِسَاءَةً وَانْتَقَمَ مِنْهُ، لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: وَأَمُدُّ يَدِي عَلَى أَدُومَ، وَأَقْطَعُ مِنْهَا الإِنْسَانَ وَالْحَيَوَانَ، وَأُصَيِّرُهَا خَرَابًا. مِنَ التَّيْمَنِ وَإِلَى دَدَانَ يَسْقُطُونَ بِالسَّيْفِ. وَأَجْعَلُ نَقْمَتِي فِي أَدُومَ بِيَدِ شَعْبِي إِسْرَائِيلَ، فَيَفْعَلُونَ بِأَدُومَ كَغَضَبِي وَكَسَخَطِي، فَيَعْرِفُونَ نَقْمَتِي، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.” (حز 25: 12-14)
مِصْرُ تَصِيرُ خَرَابًا، وَأَدُومُ تَصِيرُ قَفْرًا خَرِبًا، مِنْ أَجْلِ ظُلْمِهِمْ لِبَنِي يَهُوذَا الَّذِينَ سَفَكُوا دَمًا بَرِيئًا فِي أَرْضِهِمْ
(يؤاب 3: 19)
ذلك أن الأدوميين والممالك الأردنية الأخرى كانت حليفة لممالك العراق، وبالذات حليفة لنبوخذ نصر، وهم من أغراه بغزو ممالك اليهود وساعدوه بالمعلومات ودعموا جيشه بالجنود والأدلاء وزودوه بالسلاح ومؤنة الجيش، وهيأوا له بيئة أردنية حاضنة لدعم جيش نبوخذ نصر، مما زاد من حقد اليهود على الأردنيين جميعا بما فيهم الأدوميون، لذا طلب بنو إسرائيل من أنبيائهم الدعاء والنبوءات ضد أدوم وسائر ممالك الأردن
وبالفعل فقد استنهض اليهود أنبياءهم ضد أدوم بشكل خاص، حيث تنبأوا بالكوارث التي ستحل بأدوم بسبب عدائهم لإسرائيل، والحقيقة أنهم تمنوا هذه المصائب لأدوم، وأيضًا تنبأوا عن عدم دخول الأدوميين ملكوت الله
وفي القرن الخامس قبل الميلاد أسقط الأنباط نظام الحكم الأدومي من جبل سعير أي من جبال الشراة في جنوب الأردن، وأقاموا المملكة الأردنية النبطية التي شملت الأراضي الأردنية وشعوبها وانتهت الممالك المتعددة بعد ذلك
وفي القرن الثاني قبل الميلاد استرد يهوذا المكابي مدينة حبرون وغيرها من المدن التي كانت تحت سيطرة الأدوميين الممتدة في جنوب بلاد كنعان أي جنوب فلسطين، وأرغم يوحنا هيركانوس الأدوميين على التهود والأختتان، وكان هيرود الكبير ملك اليهود ونسله من الأدوميين أي أن هيرود كان عربيًا أدوميًا في الأصل
وقد بقيت أدوم مدة من الزمن خاضعة لحكم آشور أثناء حكم تغلث فلاسر الثالث وسرجون وسنحاريب وأسر حدون وآشور بانيبال، لكنها اشتركت في ثورات عامي 711 و701 قبل الميلاد ضد آشور
وقد ابتهج الأدوميون عندما خرب نبوخذ نصر أورشليم “اُذْكُرْ يَا رَبُّ لِبَنِي أَدُومَ يَوْمَ أُورُشَلِيمَ، الْقَائِلِينَ: «هُدُّوا، هُدُّوا حَتَّى إِلَى أَسَاسِهَا».” (مز 137: 7)
وبعد سبي السبطين بقيت أرض يهوذا خرابًا يبابًا، فاستولى الأدوميون عليها حتى مدينة حبرون
وفي القرن الثاني قبل الميلاد أخذ يهوذا المكابي واليهود حبرون (الخليل) وغيرها من المدن التي كان قد استولى عليها الأدوميون الأردنيون، وكان هيرودس ونسله أدميين
أما المديانيين فقد امتدت أرضهم من خليج العقبة وطور سيناء جنوبًا وشملت الجزء الشمالي من بلاد الحجاز، واشتغلوا بالتجارة بين اليمن والأردن، ثم إلى كل من مصر ولبنان وأرض كنعان وبلاد آرام / سوريا، قبل أن يصبحوا جزءًا من بلاد أدوم والمملكة الأدومية
وقد اختلطت الاخبار حولهم لان المؤرخين والتوراة لم يتحدثوا عن مراحل الدولة المديانية، فقد كانوا دولة قبل نزول سيدنا شعيب عليهم عليه الصلاة والسلام، ثم تشتتوا بعد غضب الله عليهم، فصاروا تحت سيادة الأدوميين الذين ضموهم الى ادوم ارضا وسيادة وقيادة، تجنبا من ان يحتلهم الفرعون او أحمس الأول الذي كان في جنوب مصر، ثم التأمت ذراريهم وتكاثروا وصاروا قوة بشرية واضحة، فاستعادوا تطلعاتهم نحو الثورة والاستقلال، وهو الامر الذي بقي موضع الصراع من اجل البقاء بينهم وبين الأدوميين، وقد تمردوا وانفصلوا بعد موت الملك حدد بن بدد، وقد اختلط الامر على المؤرخين وعلى كتاب التوراة ايضا انهم خلطوا بين الحديث عن مدين بدلا من ادوم
أرسل موسى رسلا الى ملك ادوم حدد بن بدد، وصف موقع الاسرائيليين عند قادش برنيع بأنه «في طرف اراضي [ملك ادوم]»، وعندما طلب إذنا للمرور بسلام في الاراضي الأدومية، اشار الى الحقول والكروم والآبار فيها —“وَأَرْسَلَ مُوسَى رُسُلًا مِنْ قَادَشَ إِلَى مَلِكِ أَدُومَ: «هكَذَا يَقُولُ أَخُوكَ إِسْرَائِيلُ: قَدْ عَرَفْتَ كُلَّ الْمَشَقَّةِ الَّتِي أَصَابَتْنَا. إِنَّ آبَاءَنَا انْحَدَرُوا إِلَى مِصْرَ، وَأَقَمْنَا فِي مِصْرَ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَأَسَاءَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَيْنَا وَإِلَى آبَائِنَا، فَصَرَخْنَا إِلَى الرَّبِّ فَسَمِعَ صَوْتَنَا، وَأَرْسَلَ مَلاَكًا وَأَخْرَجَنَا مِنْ مِصْرَ. وَهَا نَحْنُ فِي قَادَشَ، مَدِينَةٍ فِي طَرَفِ تُخُومِكَ. دَعْنَا نَمُرَّ فِي أَرْضِكَ. لاَ نَمُرُّ فِي حَقْل وَلاَ فِي كَرْمٍ، وَلاَ نَشْرَبُ مَاءَ بِئْرٍ. فِي طَرِيقِ الْمَلِكِ نَمْشِي، لاَ نَمِيلُ يَمِينًا وَلاَ يَسَارًا حَتَّى نَتَجَاوَزَ تُخُومَكَ».” (عد 20: 14-17)
الدور الاقتصادي والزراعي لأرض أدوم وقادش برنيع
وهو ما يدل على خصوبة الأردن بعامة، وادوم بخاصة، وكثرة سكانها وجديتهم في الإنتاج والعمل، وتوفر المياه السطحية من الحصاد المائي والينابيع، وغزارة الامطار، وذلك في مناطق قادس برنيع شمال شرق سيناء وهي قرية الجبارين التي ذكرها الله سبحانه في القرآن الكريم، وتوفر المياه في سائر أراضي الدولة الأدومية شرقي وغربي وادي العربة
وان موسى عليه السلام كان يعرفها من قبل عندما كان راعيا لدى جثرون وهو شعيب الحفيد، وأنها كانت كثيرة الإنتاج، تتوفر فيها المراعي وقطعان المواشي والصناعات الزراعية، وصناعات الإنتاج الحيواني في اشكاله المناسبة لعصره مثل صنع اللبن الجاف الجميد، ودباغة الجلود وإنتاج السمن والدهن وعصير التوت ومسحوق التين والفواكه المجففة والجلود وما الى ذلك
وقد كان الدهن والسمن يستخدمان في اضاءة الأسرجة ومفردها سراج فضلا عن استخدام الزيت لغايات الإضاءة أيضا، فضلا عن استخدامه للطعام حيث كان يتم تخزينه في جرار مفردها جرة خاصة وفي القرب والروايا المصنوعة من جلود الأغنام والبقر والجمال
قدسية الأرض ومكانة قادش في النصوص القرآنية والتوراتية
ومن المغالطات الحديثة التي تدل على جهل السياسيين والكتاب والمؤرخين، أن بعضهم يعتبر أبناء بلاد كنعان هم القوم الجبارون، وهذه أكاذيب، والحكم هو نص القرآن الكريم، حيث أرسل النبي موسى عليه السلام اثني عشر رجلاً إلى قرية قادش برنيع الأدومية، وزودهم بتعليمات أوحاها الله إليه، لكن الوفد عندما رأى قوة الجيش الأدومي المحيط بالقرية وبث الرعب في قلوبهم، انتكسوا على أعقابهم خاسرين، فغضب عليهم موسى
وبالتالي، فصفة القوم الجبارين هي للأردنيين وليس لأهل بلاد كنعان، لكنها أكذوبة سياسية قيلت في لحظة جهل وصارت دارجة، وها نحن نوضحها بنص القرآن الكريم وبالنص التوراتي أيضًا، فقد ورد في القرآن الكريم وصف الحالة والقرية في الآيات الكريمة التالية
{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}
{قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ}
{قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}
فالأرض المقدسة هنا هي أدوم الأردنية بعامة، وقرية قادش برنيع بخاصة، وتسمى قادش بالسين والشين وتعني المقدس، فهي أرض مقدسة لها هيبتها وطقوسها الخاصة، وإشارة من الله سبحانه إلى قدسية المكان رغم أن أهلها الأدوميون الأردنيون كانوا على عقيدة الوثنية، وهذا يعود إلى نظريتنا حول قدسية المكان والعبادة، إذ إن قدسية المكان باقية كما هي منذ زمن الوثنية إلى يومنا هذا، وذلك من قدر الله سبحانه ومشيئته
الأردنيون هم شعب الجبارين
وليس أبناء بلاد كنعان
فنجد أن الموقع الذي كان مقدسًا عند الوثنيين بقي مقدسًا عند أحفادهم النصارى، فبنوا فيه كنيسة، كما بقي مقدسًا عند أحفادهم المسلمين وبنوا فيه مسجدًا، فهذه القدسية هي من فضل الله سبحانه على عباده لأهمية وحرمة المكان
:ونجد النص التوراتي التالي ما ينسجم مع النص القرآني الكريم ويغني عن مزيد من الشرح في الإشارة إلى قادش
وَأَرْسَلَ مُوسَى رُسُلًا مِنْ قَادَشَ إِلَى مَلِكِ أَدُومَ: «هكَذَا يَقُولُ أَخُوكَ إِسْرَائِيلُ: قَدْ عَرَفْتَ كُلَّ الْمَشَقَّةِ الَّتِي أَصَابَتْنَا
إِنَّ آبَاءَنَا انْحَدَرُوا إِلَى مِصْرَ، وَأَقَمْنَا فِي مِصْرَ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَأَسَاءَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَيْنَا وَإِلَى آبَائِنَا
فَصَرَخْنَا إِلَى الرَّبِّ فَسَمِعَ صَوْتَنَا، وَأَرْسَلَ مَلاَكًا وَأَخْرَجَنَا مِنْ مِصْرَ. وَهَا نَحْنُ فِي قَادَشَ، مَدِينَةٍ فِي طَرَفِ تُخُومِك
دَعْنَا نَمُرَّ فِي أَرْضِكَ. لاَ نَمُرُّ فِي حَقْل وَلاَ فِي كَرْمٍ، وَلاَ نَشْرَبُ مَاءَ بِئْرٍ. فِي طَرِيقِ الْمَلِكِ نَمْشِي، لاَ نَمِيلُ يَمِينًا وَلاَ يَسَارًا حَتَّى نَتَجَاوَزَ تُخُومَكَ
فَقَالَ لَهُ أَدُومُ: «لاَ تَمُرُّ بِي لِئَلاَّ أَخْرُجَ لِلِقَائِكَ بِالسَّيْفِ»
فَقَالَ لَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: «فِي السِّكَّةِ نَصْعَدُ، وَإِذَا شَرِبْنَا أَنَا وَمَوَاشِيَّ مِنْ مَائِكَ أَدْفَعُ ثَمَنَهُ. لاَ شَيْءَ. أَمُرُّ بِرِجْلَيَّ فَقَطْ
فَقَالَ: «لاَ تَمُرُّ». وَخَرَجَ أَدُومُ لِلِقَائِهِ بِشَعْبٍ غَفِيرٍ وَبِيَدٍ شَدِيدَةٍ
وَأَبَى أَدُومُ أَنْ يَسْمَحَ لإِسْرَائِيلَ بِالْمُرُورِ فِي تُخُومِهِ، فَتَحَوَّلَ إِسْرَائِيلُ عَنْهُ
فَارْتَحَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، الْجَمَاعَةُ كُلُّهَا، مِنْ قَادَشَ وَأَتَوْا إِلَى جَبَلِ هُورٍ
وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ فِي جَبَلِ هُورٍ عَلَى تُخُمِ أَرْضِ أَدُومَ قَائِلًا
«يُضَمُّ هَارُونُ إِلَى قَوْمِهِ لأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الأَرْضَ الَّتِي أَعْطَيْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكُمْ عَصَيْتُمْ قَوْلِي عِنْدَ مَاءِ مَرِيبَة
خُذْ هَارُونَ وَأَلِعَازَارَ ابْنَهُ وَاصْعَدْ بِهِمَا إِلَى جَبَلِ هُورٍ
وَاخْلَعْ عَنْ هَارُونَ ثِيَابَهُ، وَأَلْبِسْ أَلِعَازَارَ ابْنَهُ إِيَّاهَا. فَيُضَمُّ هَارُونُ وَيَمُوتُ هُنَاكَ»
فَفَعَلَ مُوسَى كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ، وَصَعِدُوا إِلَى جَبَلِ هُورٍ أَمَامَ أَعْيُنِ كُلِّ الْجَمَاعَةِ
فَخَلَعَ مُوسَى عَنْ هَارُونَ ثِيَابَهُ وَأَلْبَسَ أَلِعَازَارَ ابْنَهُ إِيَّاهَا. فَمَاتَ هَارُونُ هُنَاكَ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ، ثُمَّ انْحَدَرَ مُوسَى وَأَلِعَازَارُ عَنِ الْجَبَلِ
فَلَمَّا رَأَى كُلُّ الْجَمَاعَةِ أَنَّ هَارُونَ قَدْ مَاتَ، بَكَى جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ عَلَى هَارُونَ ثَلاَثِينَ يَوْمًا
العماليق والجبارين في وصف الجواسيس وبطولات يشوع
ويرى د. احمد عويدي العبادي أن النقباء الجواسيس الذين أرسلهم سيدنا موسى عليه السلام لاستطلاع بلاد كنعان عبر الساحل الأدومي، قد بالغوا في وصف العناقيين والجبارين والعماليق وأطوالهم وقوتهم وشدة باسهم، ليعطوا أنفسهم مبررًا في عدم محاربتهم وعدم مقابلتهم في ساحات الوغى
وحسب وصفهم، فإن العناقيين الجبارين أو العمالقة كانوا يتميزون بضخامة الأجسام وطول القامة وشدة البأس في الحروب، وعندما عاد الجواسيس الذين أرسلهم موسى للتجسس على أرض كنعان قالوا له “وَقَدْ رَأَيْنَا هُنَاكَ الْجَبَابِرَةَ، بَنِي عَنَاق مِنَ الْجَبَابِرَةِ. فَكُنَّا فِي أَعْيُنِنَا كَالْجَرَادِ، وَهكَذَا كُنَّا فِي أَعْيُنِهِمْ».” (عد 13: 33).
وبالرغم من شدة قوتهم، فإن يشوع انتصر عليهم فيما بعد لأنه مؤيد من الله سبحانه، وقضى عليهم في منطقة حبرون الخليل “فَلَمْ يَتَبَقَّ عَنَاقِيُّونَ فِي أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لكِنْ بَقُوا فِي غَزَّةَ وَجَتَّ وَأَشْدُودَ.” (سفر يشوع 11: 22) وقد يكون جليات أو جالوت الجبار واحدًا منهم
الفلسطينيون والفينيقيون وعلاقاتهم مع مصر
وقد كشفت الآثار المصرية المتعلقة بتاريخ رعمسيس الثالث أحد ملوك الدولة العشرين، أن الفلسطينيين قدموا من كريت زمن رعمسيس الثالث، وقد عدهم على أنهم من عشائر البلاسج، وتوجد في قصر مدينة أبو في تاب طيبة صور وخطوط دالة على حصول محالفة أو تحالف بين الكريتيين أي القادمون من جزيرة كريت، وقد تجولوا في سورية ومصر بعد أن طردهم يشوع بن نون من بلاد كنعان، فهربوا في البلاد وأتى بعضهم بحرًا إلى مصر، فحاربهم رعمسيس الثالث وانتصر عليهم وأسرهم جميعًا
وكانت عشيرة فلسطينية برمتها رجالًا ونساءً وأطفالًا، ولم يرَ من السداد أن يبيد هذه العشيرة جميعًا، فعوَّل على استبقائهم، وأعطاهم أرضًا يسكنونها، فأقام رعمسيس الفلسطينيين في جانب بلاد كنعان بين يافا ونهر مصر، فسكنوا غزة وأشدود وعسقلان حيث يمكن للحرس المصري أن يراقب تحركاتهم من جهة، ويحميهم من بني إسرائيل من جهة أخرى
ويقول القس مكسيموس وصفي إن ذكر الفلسطينيين جاء في الآثار المصرية، ففي القرن الثاني عشر ق.م. في عهد رمسيس الثالث (1183 – 1152 ق.م.) هجمت شعوب البحر الفلسطينيون على أرض مصر وتوغلوا فيها، ولكن رمسيس الثالث دحرهم وأجبرهم على العودة، وقد تم تسجيل كل هذا على جدران معبد هابو، وأكتشف الأثري بتري مدينة غزة القديمة على بعد نحو عشرة كيلومترات شمال شرقي المدينة الحالية، وأكتشف بها آثار معبد فلسطيني، كما كشف عن آثار معبد آخر في أشدود حيث كانوا يعبدون داجون الذي كان له بدن السمكة، أما عفرون فكانت مركزًا لعبادة الإله بعل زبوب
وعلى الرغم من تقدم الفينيقيين في فنون التجارة وغيرها، إلا أنهم بلغوا درجات منحطة من البغاء والرذيلة، فاعتادوا ممارسة البغاء في معابدهم، وقد انعكست هذه العادات على غيرهم من الشعوب، حتى أن بني إسرائيل تأثروا بهم وأخذوا بأساليب بغيهم، كما كان من العادات السيئة لدى الفينيقيين وغيرهم تقديم الأطفال قربانًا لإرضاء الآلهة
أرض سعير الأدومية وامتدادها الجغرافي حتى قادش برنيع
كانت أرض سعير الأدومية أي جبال الشراة في الأردن في السابق ملكًا للحوريين، لكن الأدوميين طردوا شيوخ قبائل الحوري واستولوا على المنطقة، فأصبحت الأرض تعرف بعد ذلك بأرض أدوم مع أن الاسم الأقدم سعير ظل قيد الاستعمال
امتدت أدوم نحو الغرب فتعدت وادي العربة إلى برية صين، وضمت مرتفعات النقب الممتدة من الزاوية الجنوبية الغربية لبحر الملح أي البحر الميت نزولًا إلى قادش برنيع أي المدينة المقدسة في ولاية سيناء الأدومية
المراجع
د. احمد عويدي العبادي – كتاب المملكة الأردنية الأدومية، عمان – الأردن
د. احمد عويدي العبادي – الانتقام اليهودي من شعب الجبارين الادوميين الأردنيين وعلى راسهم الملك حدد بن بدد