الملك المؤسس حدد بن بدد في التوراة

يتناول هذا النص شخصية الملك المؤسس حدد بن بدد كما ورد ذكره في التوراة، ودوره القيادي في تاريخ الممالك الأدومية الأردنية تنوينًا ويكشف السياق التوراتي عن طبيعة التحالفات الأردنية وآلية اتخاذ القرار الجماعي في مواجهة بني إسرائيل, كما يسلط الضوء على البنية السياسية والعسكرية للمملكة الأدومية بوصفها كيانا اتحاديا ثموديا أردنيا واحدا

هذه صورة فنية تخيلية مستوحاة من المصادر التاريخية المتعلقة بالملك حدد بن بدد
ولا توجد صور موثقة أو مؤكدة لشكله الحقيقي

الملك المؤسس حدد بن بدد ورد ذكره في التوراة، وكان للادوميين ملوك يحكمونهم، وقد رفضوا السماح لموسى بالعبور مع شعبه من أراضيهم، فخرجوا عليه بشعب كبيرا، مما دفع بني إسرائيل إلى التحول عنهم، كما ورد في سفر العدد 20: 14–21

وَأَرْسَلَ مُوسَى رُسُلًا مِنْ قَادَشَ إِلَى مَلِكِ أَدُومَ: «هكَذَا يَقُولُ أَخُوكَ إِسْرَائِيلُ: قَدْ عَرَفْتَ كُلَّ الْمَشَقَّةِ الَّتِي أَصَابَتْنَا. إِنَّ آبَاءَنَا انْحَدَرُوا إِلَى مِصْرَ، وَأَقَمْنَا فِي مِصْرَ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَأَسَاءَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَيْنَا وَإِلَى آبَائِنَا، فَصَرَخْنَا إِلَى الرَّبِّ فَسَمِعَ صَوْتَنَا، وَأَرْسَلَ مَلاَكًا وَأَخْرَجَنَا مِنْ مِصْرَ. وَهَا نَحْنُ فِي قَادَشَ، مَدِينَةٍ فِي طَرَفِ تُخُومِكَ. دَعْنَا نَمُرَّ فِي أَرْضِكَ. لاَ نَمُرُّ فِي حَقْل وَلاَ فِي كَرْمٍ، وَلاَ نَشْرَبُ مَاءَ بِئْرٍ. فِي طَرِيقِ الْمَلِكِ نَمْشِي، لاَ نَمِيلُ يَمِينًا وَلاَ يَسَارًا حَتَّى نَتَجَاوَزَ تُخُومَكَ». فَقَالَ لَهُ أَدُومُ: «لاَ تَمُرُّ بِي لِئَلاَّ أَخْرُجَ لِلِقَائِكَ بِالسَّيْفِ». فَقَالَ لَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ: «فِي السِّكَّةِ نَصْعَدُ، وَإِذَا شَرِبْنَا أَنَا وَمَوَاشِيَّ مِنْ مَائِكَ أَدْفَعُ ثَمَنَهُ. لاَ شَيْءَ. أَمُرُّ بِرِجْلَيَّ فَقَطْ». فَقَالَ: «لاَ تَمُرُّ». وَخَرَجَ أَدُومُ لِلِقَائِهِ بِشَعْبٍ غَفِيرٍ وَبِيَدٍ شَدِيدَةٍ. وَأَبَى أَدُومُ أَنْ يَسْمَحَ لإِسْرَائِيلَ بِالْمُرُورِ فِي تُخُومِهِ، فَتَحَوَّلَ إِسْرَائِيلُ عَنْهُ.
 

ورد اسم الملك حدد بن بدد في التوراة تلميحا وتصريحا في نصوص عديدة ضمن أكثر من سفر، حيث ذكر بوصفه ملكا على رأس الممالك الأدومية الرئيسة والفرعية، والمقصود بها الإمارات التي ضمها للادوميين إلى مملكتهم، وقد تحالف الملك حدد مع ملوك الأردن في مؤاب وعمون وباشان وبيريا وبلعام والبادية الشرقية، وخرج مع هذه الممالك الأردنية بشعب كبيرا لمنع عبور موسى وبني إسرائيل من أراضي أدوم، وهو ما يشكل دليلا على قيام جبهة أردنية موحدة في وجه بني إسرائيل، وكان الملك حدد قائد هذه الجبهة، ولذلك عبرت التوراة عن ذلك بقولها إنه خرج على رأس الممالك، أي قائدا لجيوشها

وتعبير الممالك الأدومية الأخرى يدل على تحالف الممالك الأردنية التي منحت قيادة جيوشها وإدارة الحرب للملك حدد بن بدد في مواجهة الإسرائيليين، كما أن إشارة التوراة إلى تعدد الممالك الأدومية تعني الممالك الثمودية المتحالفة مع أدوم، والداعمة لها، والمشاركة في الدفاع عنها، إضافة إلى الإمارات ذات الحكم الذاتي المنضوية تحت لواء المملكة الأدومية، مثل إمارة مدين

وقد كانت الممالك الثمودية الأردنية تشكل اتحادا كونفدراليا، وكان الملك حدد هو الملك الجامع العام لهذه الممالك المتعددة، وقد تم اختياره بالانتخاب والاختيار لا بالوراثة

فهي ممالك وامارات تنتمي الى قومية واحدة وهوية واحدة وشرعية واحدة ولغة واحدة هي العربية وثقافة واحدة هي الثمودية الأردنية وعرق واحد هو الثمودي العربي الأردني ونسيج وكيان اجتماعي واحد وكيان جغرافي واحد هو الكيان الأردني وكيان سياسي عام واحد هو تعدد العناوين تحت مظلة العنوان الثمودي. وان الملك حدد بن بدد كان المرجع الأعلى لهذه الممالك في تلك الازمة وكان في العرف الأردني هو (المُنِيخ المثير) أي صاحب القرار في شن الحرب وقبول السلام ولكن بعد استشارة سائر الملوك الثموديين والحصول على التخويل منهم بذلك وهو ما تم سلفا. ومن الواضح ان اجتماعا طارئا لملوك ادوم برئاسة حدد بن بدد وحضور قادة الجيوش وأعيان البلاد (الملأ) قد اجتمعوا بعد غرق حليفهم فرعون وانفتاح الجبهة الغربية للمملكة (وسائر ممالك الأردن) على جميع احتمالات الحرب والاحتلال مع بني إسرائيل ومعهم ثلاثة انبياء ومع الملك المصري أحمس الاول خصم فرعون وخصم الأدوميين واحتمالية ثورة المديانيين في الجبهة الداخلية واتصالهم مع أحمس والإسرائيليين

وفي اجتماع الملوك الأردنيين في بصيرا عاصمة الأدوميين تم التداول بين الملك حدد وسائر ملوك الأردن الذين حضروا جميعا أقول للتداول والتباحث والتشاور في كيفية ونوعية الإجراءات التي يترتب على الممالك الأردنية ان تسلكها في مجابهة بني إسرائيل ومعهم الأنبياء موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وحضر الملأ ضمن وفود الملوك وتبادلوا الآراء وكيفية الاجراء الذي يجب اتخاذه حيالهم ليتحمل الجميع مسؤولية القرار وتبعاته

لقد قرروا بالإجماع أن سقوط أية مملكة أردنية يعني سقوط بقية الممالك، لذا وجب دعم الأدوميين وإيقاف الإسرائيليين في الصحراء، وإلا فإن عواصم وعروش بقية الممالك ستكون في مهب الريح، وكان عقد المؤتمر العام في بصيرا يجسد الدولة والسيادة والقيادة والقوة، وهي محصنة من أي اعتداء طارئ أو غير طارئ

وبناء عليه، وعلى هذا المؤتمر وما نتج عنه من تخويل الملك حدد بن بدد كامل الصلاحيات لقيادة المرحلة والحرب، وتشكيل الجيش الأردني الثمودي بقيادة الملك حدد، ويساعده كبار القادة من سائر الممالك، أي أن الخطر أدى إلى توحيد الجهد الحربي والسياسي للممالك الأردنية في صراعها من أجل البقاء

وما كان من خيار لدى ممالك الأردن إلا مثل هذا الإجراء، وبخاصة أن الملوك كانوا يعرفون أن موسى وهارون عليهما السلام، وهما من يقود بني إسرائيل، كانا أنبياء ومدعومين من الله سبحانه، وأن الأردنيين ليس لهم إلا استغلال معاصي الإسرائيليين لتكون فجوة ينتقم الله بها منهم، من خلال تسليط الأردنيين عليهم، إنها معضلة ينوء بها كاهل مملكة أردنية وحدها

كان قرار مجابهة خطر بني إسرائيل رأس الأولويات، إذ كانت قوتهم تكمن في أن معهم ثلاثة أنبياء هم موسى قائدهم وهارون، وفيما بعد صار يوشع فتى موسى نبياً عليهم السلام جميعاً، فضلاً عن عددهم الكبير في عرف ذلك الزمن، ولولا هذه القيادات لما توانى الملك حدد عن إبادتهم، ولكن الله سبحانه لم يشأ ذلك

ويبين النص التوراتي اجتماع الملوك الأردنيين وتخويل الملك حدد زمام الأمور في موضوع الصراع الأردني الإسرائيلي، ويقول النص التوراتي «وَهؤُلاَءِ هُمُ الْمُلُوكُ الَّذِينَ مَلَكُوا فِي أَرْضِ أَدُومَ.. فَلَمَّا أَبَى أَدُومُ أَنْ يَأْذَنَ لِإِسْرَائِيلَ بِالْعُبُورِ فِي تُخُومِهِ، خَرَجَ لِلِقَائِهِ بِشَعْبٍ غَفِيرٍ وَبِيَدٍ شَدِيدَةٍ؛ فَاحْتَادَ إِسْرَائِيلُ عَنْهُ وَمَضَى فِي طَرِيقِهِ.» (سفر العدد 20)

النص التوراتي يبين ان الجيش الثمودي الأردني الذي تم تشكيله لمجابهة بني إسرائيل قد انتشر في الجبهة الأدومية الغربية لمنع أي اختراق او تجاوز لبني إسرائيل الى الأراضي الأدومية مع السماح لهم بالبقاء في المناطق القاحلة في سيناء الأدومية

واشتعلت اول معركة بين الطرفين فانهزم الإسرائيليون الذين لا يعترفون بالهزيمة أصلا وينسبون قتل الالاف منهم على ايدي الأردنيين الى انتشار وباء هنا او هناك ساعات محدودة بسبب خطاياهم وهو ما لا يتفق مع العقل او النقل

كان القرار بإجماع الملوك الأردنيين جميعا حيث حضروا المؤتمر وقرروا بالإجماع في الاجتماع وكان القرار كما يبدو بمنع بني إسرائيل من المرور او البقاء في بلاد أدوم الأردنية مهما كلف الثمن والقتال والدماء واتفقوا على مؤازرة الجيش الأردني الأدومي واتحاد الجيوش الأردنية الثمودية المكونة من سائر الممالك ومواطنيها واسندوا الى الملك حدد بن بدد القيادة العليا في ذلك وخولوه صلاحية إدارة الازمة واتخاذ القرار الذي يراه لتحقيق الأهداف بالطريقة التي يراها وقرروا وضع موازنة للمجهود الحربي من سائر الممالك

وهذا أسلوب ديموقراطي عجزت عن مثله القيادات الحديثة في الأمة العربية واتخذوا قراراتهم ومنها ان على الجيش الأردني الثمودي المؤلف من سائر الممالك الأدومية الثمودية ان يرابط على الجبهة الغربية للمملكة وهو خط النار الساخن والذي تكرر في العصر الحديث عندما تحولت الأردن الى الجبهة الغربية وخط النار مع الدولة الصهيونية على ارض فلسطين

وانه تم تكليف الجيش الأدومي الذي يعرف الأرض جيدا بتطويق ومحاصرة بني إسرائيل لكي تبقى حركتهم ضمن الأراضي القاحلة في سيناء وان القرار عمل على تعزيز الحاميات في الجبهة الغربية ومنها مدينة قادش برنيع عاصمة إقليم شمال شرق سيناء الأدومية وعزز حماية قناة البحرين قناة حدد بن بدد لخشية اختراقها او تعطيلها من قبل الإسرائيليين

وجاء في النص التوراتي أيضًا “وكان للأدوميين ملوك يحكمونهم ولم يسمحوا لموسى بالعبور مع شعبه من أراضيهم بل خرجوا عليهم بشعب غفير فتحول إسرائيل عنهم” (سفر العدد 20: 14-21)
وهذا النص يبين وكأن مملكة أدوم كانت اتحادًا من عدة ممالك ثمودية ذات تسميات فرعية تنضوي تحت الاسم العام وهو اسم أدوم وان القرار كان بالإجماع بين الملوك وان كلمة ملوك تعني تعدد الممالك الفرعية وتعدد العناوين الجغرافية لكنها في النهاية أمة ثمودية واحدة وكيانًا جغرافيًا عامًا واحدًا وهو الأردن
والحقيقة ان أدوم كانت تتألف من ولايات على رأس كل ولاية حاكم بالانتخاب هو أمير القوم والمرشح ان يكون ملكًا لان الولاة أعضاء في مجلس الدولة ومنهم يتم اختيار الملك وبالتالي فان هذا النص يحتمل أمرين هما الأول إجماع الولاة على دعم الملك حدد وأنه القائد العام للقوات المسلحة وهذا أمر حدث والثاني ان الملوك الأردنيين اتفقوا على تخويل الملك حدد قيادة الجيش وإدارة الأزمة وصاحب الكلمة العليا فيما يخص الصراع مع بني إسرائيل وهو أمر قد حدث أيضًا

المراجع

د. احمد عويدي العبادي – كتاب المملكة الأردنية الأدومية، عمان – الأردن
د. احمد عويدي العبادي – الملك المؤسس حدد بن بدد في التوراة

Previous:
الانتقام من المملكة الأردنية الأدومية ونبوءات التوراة على خرابها
Next:
المنسف – دراسة تاريخية تحليلية في الجذور الاجتماعية والسياسية والأثرية