المنسف – دراسة تاريخية تحليلية في الجذور الاجتماعية والسياسية والأثرية
يمثل المنسف أكثر من طبق تقليدي، إذ يشكل مرآة عميقة للهوية الأردنية وتاريخها الاجتماعي والسياسي فهو تعبير عن منظومة قيم متجذرة قامت على الأرض والعمل والتكافل والاجتماع ومن خلال تتبع جذوره ووظائفه، يتجلى المنسف بوصفه بنية ثقافية صنعت وحدة المجتمع عبر آلاف السنين
المنسف بوصفه بنية اجتماعية وهوية ثقافية
يعد المنسف ركنا أساسيا في المائدة الأردنية، وحاضرا دائما في مختلف الطقوس والمناسبات الاجتماعية، إذ ارتبط عبر التاريخ بدلالات تتجاوز كونه طعاما إلى كونه فعلا اجتماعيا مركبا يعكس بنية المجتمع الأردني وقيمه القائمة على الأرض والإنتاج والعمل والتكافل. ويعد المنسف من أقدم الأطباق التي عرفتها التجمعات الإنسانية على الأرض الأردنية، وقد ارتبط بمفاهيم المشاركة وتقاسم الموارد والاجتماع على طبق واحد، في تعبير واضح عن وحدة العيش والمصير ووحدة العشيرة معنى ومبنى
ويقوم المنسف على تمازج متوازن بين مكونات رعوية وزراعية، فهو ليس طبقا صحراويا خالصا، إذ إن القمح والأرز لا ينبتان في الصحراء بما يكفي ليشكلا غذاء يوميا للبدوي، كما أن المزارع المتفرغ لحقوله وبساتينه لا يستطيع وحده تأمين لحم الضأن ولبنها بسهولة. غير أن التقاء نكهة الصحراء وجميدها مع حبوب السهل ومنتجات الجبل من لوز وصنوبر، يجعل اللبن يتدفق كأنه نهر خالد يروي حكاية الكرم الأردني المتجذر، ويعكس تاريخا إنسانيا متصلا لم ينقطع على هذه الأرض
المنسف ووظيفته السياسية والاجتماعية في التاريخ الأردني
لم يكن المنسف في التاريخ الأردني مجرد طعام، بل أدى وظيفة سياسية واجتماعية مركزية، إذ ارتبط بإطعام الجائع والمعتر والفقير والغني والعابر، وجمع العائلة والعشيرة على صحن واحد، كما ارتبط بالمجد والنصر والفخر وتحرير الأرض عبر تاريخ أردني حافل بالتضحية والاستبسال في رد الأطماع والاعتداءات، وتوحيد العشائر وتعزيز لحمة المجتمع، وتكوين الإمارات ثم قيام الممالك نتيجة هذا التكاتف الاجتماعي في مواجهة الاحتلالات الأجنبية منذ زمن الوثنية وحتى العصر الحديث
وكان المنسف نقطة الجمع والالتقاء والتواصل بين الناس لغايات التكافل والتحالف، والاتفاق على شن هجوم أو إقامة جبهة دفاع أو عقد سلم، وكان الطعام عهدا اجتماعيا يعرف بالعيش والملح، يلتزم به الجميع. لذلك كان من الواجب على شيخ العشيرة عند تنصيبه، أو عند تنصيب القاضي، أو في الأفراح والأتراح والمناسبات العامة، أن يقيم وليمة جامعة يكون فيها الطعام ميثاقا اجتماعيا ملزما

منسف أردني بدوي
المنسف في زمن المملكة الأردنية المؤابية والملك ميشع
تشير الرواية الشعبية الأردنية المتداولة إلى أن المنسف باسمه المعروف اليوم يعود إلى ما يقارب 3200 عام (ثلاثة آلاف ومئتي عام)، وتحديدا إلى زمن المملكة الأردنية المؤابية، حين منح الملك الأردني ميشع الطعام بعدا سياسيا واضحا، وجعله أداة تعبير واستفتاء شعبي لقياس جاهزية المجتمع ورضاه لخوض معركة مصيرية ضد الخصم التاريخي بني إسرائيل في مملكة يهوذا، على جزء من أراضي غرب نهر الأردن
وقد اتسمت العلاقة بين الطرفين بالحرب والعداء المستمرين، كما أن العقيدة الدينية لبني إسرائيل كانت تحرم طبخ اللحم باللبن، وهو ما ورد صراحة في التوراة في سفر الخروج
أَوَّلَ أَبْكَارِ أَرْضِكَ تُحْضِرُهُ إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ. لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ. (سفر الخروج 23: 19)
لماذا يمتنعون عن خلطهما تماماً؟
رغم أن النص يتحدث حرفياً عن “جدي” و”لبن أمه”، إلا أن التفاسير الفقهية اليهودية وسعت هذا النطاق ليشمل قواعد صارمة جداً سداً للذريعة وضماناً لعدم الوقوع في الخطأ، وهي
المنع من الطبخ: لا يجوز طهي اللحم مع الحليب معاً بأي شكل
المنع من الأكل: لا يجوز تناول طبق يحتوي على المكونين، حتى لو لم يتم طهوهما معاً (مثل الساندوتشات)
المنع من الانتفاع: لا يجوز لليهودي أن يبيع أو يقدم لشخص آخر وجبة تحتوي على خليط اللحم والحليب
وخلال إحدى فترات الهدنة، تكشفت للمؤابيين نوايا الغدر لدى بني إسرائيل، فبادر الملك ميشع إلى التحضير لحرب استباقية، غير أن هذه الحرب كانت تتطلب إجماعا شعبيا واستعدادا جماعيا لتحمل تبعاتها
وفي فعل رمزي بالغ الدلالة، ضحى الملك بأحد أبنائه، ثم أمر بطهو اللحم باللبن، فكان ذلك تحديا مباشرا لعقيدة الخصم، واختبارا حاسما لمدى استعداد المجتمع، وقد أثبت هذا الاختبار أن المجتمع المؤابي بأكمله كان مستعدا لخوض المعركة، فجاء الانتصار الذي خلدته مسلة ميشع الحجرية المحفوظة اليوم في متحف اللوفر، والمدونة باللغة المؤابية القديمة، حيث سجل الملك انتصاره على بني إسرائيل بقيادة ملكهم عمري

مسلة ميشع - متحف اللوفر - فرنسا
ومنذ ذلك الحين ارتبط المنسف في الذاكرة الأردنية بدلالات المجد والنصر والفخر، وبالدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة أقوى الممالك والإمبراطوريات، ومنها الإمبراطورية الرومانية التي اضطرت إلى إقرار الحكم الذاتي للأردنيين اعترافا بقوتهم وثباتهم
المنسف والاجتماع السياسي من العصور القديمة إلى العصور الكلاسيكية
اعتاد الأردنيون منذ أقدم العصور الاجتماع حول المنسف في شؤون الحرب والسلم، وفي الفرح والحزن، وكذلك عند التفاوض أو عند استلام الصر، وهي الحصة السنوية من المال التي التزمت القوى التي حكمت الأردن بدفعها لشيوخ العشائر ضمانا لأمن القوافل التجارية وقوافل الحج. وقد التزمت بدفع هذه الخاوة حتى أعظم الإمبراطوريات، ومنها الرومانية والمملوكية والعثمانية
وفي العهد البيزنطي كان تسليم الصر يتم في منطقة القسطل جنوب عمان، حيث كان شيوخ العشائر يجتمعون ويتناولون المنسف في أطباق جماعية، بما يحمله ذلك من عهد وميثاق يمنع الاعتداء ويؤكد السلم والالتزام المتبادل
الجذور الأثرية للمنسف في عصور ما قبل التاريخ
تؤكد الأدلة الأثرية والإثنو أثرية أن جذور المنسف أقدم بكثير من الروايات التاريخية المكتوبة، إذ تمتد إلى ما بين خمسة آلاف وستة آلاف وخمسمئة قبل الميلاد، بالتزامن مع نشوء المجتمعات الزراعية الأولى على الأرض الأردنية. وتعد عين غزال في شرق عمان من أقدم النماذج المعروفة عالميا، حيث كشفت الدراسات عن أوان فخارية كبيرة الحجم صممت للأكل الجماعي لا الفردي
ووفقا لدراسات إثنو أثرية أعدها الأستاذ الدكتور زيدان الكفافي، واستندت إلى تقارير فحوصات الكربون المشع، فإن الأطباق الفخارية الواسعة التي تجاوز قطرها ثلاثين سنتيمترا تعود إلى العصر الحجري الحديث الفخاري، ما يدل بوضوح على معرفة المجتمعات الأردنية القديمة بمفهوم الأكل الجماعي
وقد عثر على هذه الأواني بكثافة في خربة الزريقون شمالا، وتل أبو الخرز في وادي الأردن، وهي تتشابه بشكل لافت مع طبق السدر المستخدم اليوم لتقديم المنسف، بل تقارب النسخة الأقدم والأوسع التي كانت شائعة خلال القرن الماضي


الصورة على اليمين: نماذج الأطباق التي تم العثور عليها في موقع عين غزال شرق عمان والتي تعتبر الأقدم من نوعها بهذا الحجم على مستوى العالم
الصورة على اليسار: نماذج من الأطباق التي تم العثور عليها في موقع تل أبو الخرز في الأغوار الأردنية والتي تؤرخ لـ 5000 ق.م
كما أظهرت الدراسات أن تدجين الأغنام والماعز في عين غزال بلغ نسبا مرتفعة، ما يدل على توفر فائض غذائي يسمح بذبح الحيوانات في المناسبات، وهو ما يشكل أساسا اقتصاديا واضحا لظهور المنسف
ومن أقدم الشواهد على وجود المنسف الأردني ما تم توثيقه في منطقة قير حارسة (كركا/الكرك)، التي عرفت قديمًا باسم حصن اللبن، ويعود تاريخها إلى أكثر من 7000 سنة قبل الميلاد. وهذا يدل على أن استخراج اللبن ومشتقاته، كالزبدة واللبن المجفف (الجميد) والجبن، إضافة إلى مشتقات اللبن السائل والمكثف والجاف، كان معروفًا لدى الأردنيين منذ ذلك الزمن، بل وقبل ذلك بآلاف السنين، ولا سيما في مملكة مؤاب التي كانت الكرك (القلعة المحروسة) عاصمتها
المنسف والامتداد الجغرافي والثقافي الأردني
تشير الشواهد الأثرية إلى انتشار المنسف في مختلف أرجاء الجغرافيا الأردنية، من مؤاب وأدوم وعمون وباشان وبيريا، إلى مدين وبلعام وممالك قوم لوط، ثم لدى الأنباط ومن تلاهم، وقبلهم من قوم ثمود وأهل الحجر واللحيانيين وأدوماتو وأصحاب الأيكة، في امتداد ثقافي يعكس وحدة القومية الثمودية الأردنية
وفي تل أبو الخرز شمال الأردن كشفت الحفريات عن أطباق فخارية تعود إلى أكثر من سبعة آلاف سنة، كما دل استمرار الاستيطان في الموقع على استقرار اقتصادي واجتماعي طويل الأمد، وهو ما يعزز فرضية أن المنسف تقليد أردني راسخ لا طارئ
كما رصد الباحثون أطباقا حجرية ضخمة منحوتة في الصخر، مثل منسف أبو زيد الهلالي في عيرا بمحافظة البلقاء، وهو طبق قادر على استيعاب كميات هائلة من الطعام، ما يدل على الطابع الجماعي العميق للعشيرة الأردنية
القدور والجفان وصناعة الكرم في الممالك الأردنية
إن صناعة القدور الضخمة لم تكن اختراعا أسطوريا، بل امتدادا لتقاليد صناعية راسخة عرفت في الممالك الأردنية القديمة، حيث توفرت مادة النحاس المستخرج من فينان، وقد وردت في اللغة ألفاظ مثل القدور والجفان، وكلها تدل على السعة والوفرة وسعة الإنتاج
وارتبطت لفظة الجفنة بالكرم والسخاء، وهو ما اشتهر به الغساسنة الذين عرفوا باسم آل جفنة، على الأرجح بوصفه لقبا يعبر عن السخاء لا اسما شخصيا، وقد خلد الشاعر حسان بن ثابت هذه الصفة في مدحه لهم، حين وصفهم ببياض الوجوه وكرم الأحساب وعلو المكانة، وبأنهم يجمعون الغني والفقير ويغدقون العطاء على الضعيف والمعدم، في صورة تعكس قيما اجتماعية أردنية متجذرة في عمق التاريخ
:وقد امتدحهم الشاعر حسان بن ثابت بقوله
للهِ دَرُّ عِصابةٍ نَادَمتُها يوماً بجِلَّقَ بالزَّمانِ الأطولِ
يُغشونَ حتَّى ما تهِرُّ كلابُهُمْ لا يسألونَ عنِ السَّواد المُقبِلِ
بِيضُ الوُجُوهِ كريمةُ أحسابُهُم شُمُّ الأُنُوفِ من الطِّرازِ الأوَّلِ
أولادُ جفنةَ حولَ قبرِ أبيهمُ قبرِ بنِ ماريةَ الكريمِ المُفضِلِ
الخَالِطُونَ غَنيَّهُمْ بفقيرهمْ والمُنعِمُونَ على الضَّعيفِ المُرمِلِ
المراجع
د. احمد عويدي العبادي – بالدليل المنسف المؤابي القديم كان منتشرا على مساحة الأردن الجغرافية من أقصاه الى أقصاه
إرث الاردن – دراسة إثنو-أثرية: الأردنيين القدماء تناولوا المنسف قبل أكثر من 7 الآف عام
أبحاث الدكتور زيدان كفافي – رسيرش جيت
عبد الناصر الزعبي –طهي المنسف الأردني.. معاداة سافرة لليهود – موقع جراسا
Sharing food and eating from one plate : an ethno-archaeological study
Al-Mansaf in Jordan, a festive banquet and its social and cultural meanings