هجرة اليبوسيين من بيريا الأردنية وتأسيسهم لمدينة القدس
يتناول هذا البحث جذور اليبوسيين التاريخية وعلاقتهم بالأردن القديم في إطار مملكة بيريا الثمودية ويستعرض مسار هجرتهم من غور الأردن إلى غربي نهر الأردن وصولا إلى القدس واستقرارهم فيها عبر القرون كما يسلط الضوء على العوامل البيئية والسياسية والثقافية التي أسهمت في تأسيس مملكة يبوس ودورها الحضاري في تاريخ المنطقة
الأصول الأردنية الثمودية لليبوسيين في مملكة بيريا
تشير الروايات التاريخية والمصادر التراثية إلى أن اليبوسيين يعدون من الجماعات الثمودية ذات الجذور الأردنية، وقد بدأت تحركاتهم الكبرى من شرقي نهر الأردن نحو فلسطين والقدس في الألف الثالثة قبل الميلاد، وتحديدًا قرابة عام 3000 ق.م، وربما قبل ذلك بزمن أقدم. فقد كان موطنهم الأول فيما عرف قديمًا بجنوب بلاد الشام، وهو المصطلح الذي استخدمته المدونات التاريخية للدلالة على الأردن، وبخاصة مملكة بيريا الثمودية
عين سالم في غور بيريا مركز الاستقرار والصراع
استقر اليبوسيون زمنًا طويلًا في غور بيريا، في منطقة الرامة تحديدًا، حيث تركز وجودهم حول نبع مائي عرف باسم عين سالم أو سليم أو ساليم. وقد شكلت هذه العين مركز حياتهم الاقتصادية والاجتماعية، ومنها انطلقت أنشطتهم الزراعية والتجارية. وتشير الشواهد إلى أنهم أقاموا في هذه المنطقة مئات السنين، بل عشرات القرون، قبل أن تُفرض عليهم الهجرة القسرية
(اليبوسيين) أصل التسمية
شهدت منطقة بيريا صراعات دموية بين اليبوسيين وجيرانهم، ويرجح أن أسبابها تعود إلى سنوات قحط وجدب متعاقبة أدت إلى شح المياه والكلأ. وقد انعكس هذا الواقع في الدلالة اللغوية لاسمهم. ففي العربية يقال يبِس الشيء أي جف بعد رطوبة، ويقال يبِس ما بين الرجلين أي تقاطعا، ويقال يبِس ضرع الشاة أي انقطع لبنها، كما يضرب مثل يبِس بينهم الثرى للدلالة على استحالة الصلح. وكلها معانٍ تجتمع على الجفاف والانقطاع والخصومة، وهي أوصاف تطابق حال اليبوسيين في تلك المرحلة من تاريخهم
الهجرة القسرية عبر نهر الأردن وتأسيس أور سالم
ومع تغلب خصومهم عليهم، اضطر اليبوسيون إلى النزوح بحثًا عن الأمان، فاتخذوا نهر الأردن وغوره حدًا فاصلًا طبيعيًا بينهم وبين أعدائهم. وقد تمت هجرتهم إلى غربي النهر عبر معابر محددة، أبرزها جسر الأردن المعروف اليوم بجسر داميا، إضافة إلى ميناء بيريا على شمال غرب البحر الميت، حيث عبروا بالقوارب من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية. ورافقتهم في هذه الهجرة عشائر مؤابية وعمونية وجماعات أخرى من بيريا لمؤازرتهم
عند وصولهم إلى موطنهم الجديد، اختار اليبوسيون منطقة أور سالم، التي أصبحت لاحقًا القدس. وقد أعادوا إطلاق اسم موطنهم القديم على مدينتهم الجديدة، وهي عادة معروفة لدى الشعوب المهاجرة. فكما كانت عين سالم في بيريا موطنهم الأول، أصبحت سالم أو أور سالم اسمًا لمدينتهم الجديدة قبل بنائها. وتشير التقديرات إلى أن استقرارهم في القدس بدأ نحو 3000 ق.م واستمر بعدها بقرون طويلة
اتخذ اليبوسيون في القدس نمط حياة مشابهًا لما ألفوه في بيريا، فاعتمدوا السكن في الكهوف وبيوت الشعر مدة تقارب ألف عام. ومارسوا جملة من المهن التي اشتهروا بها سابقًا، ومن أهمها الزراعة، والصناعة، والتجارة، وصناعة الفخار والنسيج، واستخراج الملح والقار، ومعرفة المعادن والتعدين، إضافة إلى فن العمارة والنحت وقطع الحجارة وتشذيبها لأغراض البناء. كما عرفوا الشرائع والقوانين، وأعادوا توظيف هذه الخبرات في بناء مملكتهم الجديدة غربي نهر الأردن

بيريا - السلط
مملكة يبوس في القدس والتحالف مع بيريا
وقد بلغت حضارتهم مستوى متقدمًا في حدود عام 3000 ق.م، حيث تشير الروايات إلى إيمانهم بوجود إله يملك الأرض والسنين، بعد أن كانوا يعبدون الأوثان في مراحل أقدم. وأسسوا في القدس مملكة يبوس، التي أصبحت لاحقًا حليفًا رديفًا لمملكة بيريا الأردنية، وحرص الطرفان على تجنب الحروب بعد معاناة طويلة من النزاعات السابقة
وتعزز الوثائق الرسمية الأردنية هذه الرواية التاريخية. فقد أظهرت سجلات دائرة الأراضي والمساحة في السلط، وتحديدًا سجل حقوق الرامة لسنة 1951م في الصفحتين 1 و48، وجود اسم عين ساليم في حوض الدالية، وهو نفس الموقع الذي جرت فيه أعمال البحث الأثري الحديثة. ويؤكد هذا الثبات في التسمية عبر الزمن عمق الجذور البيرية لليبوسيين
نهاية الوجود السياسي لليبوسيين وتشتتهم
استمرت مملكة يبوس قائمة في القدس قرابة ألفي عام، إلى أن جاء الملك داود عليه السلام، الذي حكم بين عامي 1011 ق.م و971 ق.م، فقام بطرد اليبوسيين من المدينة. عندها تفرقوا في فلسطين وبلاد الشام، وعاد بعضهم إلى موطن الأجداد في الأردن، حيث ذابوا في المجتمعات القائمة واختفوا تدريجيًا من المشهد السياسي
وبذلك يتضح أن اليبوسيين لم يكونوا جماعة عابرة في تاريخ المنطقة، بل شعبًا ذا جذور أردنية عميقة في مملكة بيريا، وأن تأسيسهم للقدس جاء نتيجة مسار طويل من الاستقرار ثم الصراع فالهجرة. وهو مسار أسهم في تشكيل التاريخ السياسي والحضاري للأردن وفلسطين وبلاد الشام عبر آلاف السنين
المراجع
د. احمد عويدي العبادي, اليبوسيون نزحوا من بيريا واسسوا القدس
د. احمد عويدي العبادي, مملكة بيريا المنسية وعاصمتها السلط