معركة الكرامة. حقيقة مقولة قطع الاتصالات مع القيادة

تعتبر معركة الكرامة من أبرز المعارك التي خاضها الجيش العربي الأردني دفاعًا عن الوطن، وقد تداولت بعض المواقع مقولة منسوبة للفريق مشهور حديثة حول قطع الاتصالات مع القيادة أثناء المعركة. يهدف هذا المقال إلى كشف حقيقة هذه المقولة وفحصها استنادًا إلى الشهادات والمذكرات الرسمية والتوثيق العسكري. كما يوضح المقال المخاطر المرتبطة بترديد مثل هذه الأقوال دون سند علمي أو فهم دقيق

محمد المقابلة عقيد متقاعد من القوات المسلحة - الجيش العربي

معركة الكرامة. حقيقة مقولة قطع الاتصالات مع القيادة

تتردد بين الحين والآخر، في المجالس العامة وعلى منصات التواصل الاجتماعي، مقولة تنسب إلى الفريق مشهور حديثة الجازي، قائد جبهة القتال في معركة الكرامة الخالدة عام 1968، مفادها أنه (اضطر أثناء المعركة إلى قطع الاتصالات مع القيادة ليتمكن من قتال العدو الصهيوني بشرف…). وقد أثارت هذه المقولة جدلًا واسعًا، لما تحمله من دلالات خطيرة تمس القيادة الأردنية والجيش العربي ودورهما الوطني والقومي. من هنا تأتي أهمية التوقف عند هذه الرواية، وفحصها فحصًا علميًا هادئًا يستند إلى الشهادات الموثوقة والمنطق العسكري السليم

هذه المقولة نشرت وتداولها البعض بكثافة، خاصة في السنوات الأخيرة، ومنها ما نشر بتاريخ 22 حزيران 2021، ضمن طرح إعلامي ناقشه الدكتور محمد مقابلة، مقدم برنامج “فرصة وطن”، وهو عقيد متقاعد من القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي. وقد طرح المقابلة هذا الموضوع في سياق وطني ناقد، محاولًا الوصول إلى الحقيقة بعيدًا عن العاطفة والانفعال

الأهداف الكامنة وراء ترويج المقولة

يرى الكاتب أن ترديد هذه العبارة دون تمحيص لا يأتي بريئًا، بل يحقق عدة أهداف خطيرة. الهدف الأول يتمثل في التشكيك والطعن بالقيادة الأردنية آنذاك، وعلى رأسها القائد الأعلى للقوات المسلحة الملك الحسين بن طلال رحمه الله. إذ يراد زرع فكرة في وعي الناس، وخصوصًا الأجيال اللاحقة، مفادها أن الملك والقيادة العامة للجيش لم يكونوا يريدون قتال العدو الصهيوني، بل قد يصل الأمر إلى الادعاء بأنهم سهلوا له تنفيذ مخططاته لاحتلال جبال السلط وغيرها من الأراضي الأردنية

الهدف الثاني هو التشكيك بانتماء الجيش العربي الأردني وقيادته، والطعن في تضحياته دفاعًا عن فلسطين والقدس. ويذهب هذا الطرح إلى حد الربط بين هزيمة عام 1967 وضياع القدس والضفة الغربية، وبين ما يزعم أنه تواطؤ أو خيانة من القيادة والملك. ويتم إسقاط هذه الفكرة على معركة الكرامة عبر مقولة مكذوبة تزعم أن قائد المعركة اضطر لقطع الاتصالات ليقاتل بشرف. وقد استند إلى هذه الرواية بعض المحللين العرب في وسائل إعلام مختلفة للطعن بدور الأردن وجيشه، مع وجود من يصفق لمثل هذا الخطاب

أما الهدف الثالث، فيتمثل في إفقاد الجنود والضباط من أبناء الجيش العربي الثقة بقيادتهم العسكرية والسياسية. بينما يتمثل الهدف الرابع في إفساد الشعور بالاعتزاز والانتصار بمعركة الكرامة، وتحويل الانتباه من النصر المبين على العدو الصهيوني إلى صراعات داخلية وشكوك لا طائل منها، بدل التركيز على عدو ثبتت هشاشته وإمكانية دحره كما حدث في الكرامة

هل قال الفريق مشهور حديثة هذه المقولة فعلًا؟

للإجابة عن هذا السؤال، اعتمد الدكتور محمد مقابلة منهجًا علميًا واضحًا، بعيدًا عن الأهواء والعواطف. وأكد منذ البداية أنه لم يكن شاهدًا أو مشاركًا في أحداث المعركة، ما يجعله أكثر حرصًا على الاستناد إلى الوثائق والشهادات

أولًا، قام ببحث معمق في جميع المذكرات المكتوبة والمسموعة التي صدرت عن الفريق مشهور حديثة الجازي، والتي تحدث فيها بتفصيل ووضوح عن معركة الكرامة. وبعد مراجعة دقيقة، لم يجد أي ذكر أو إشارة، ولو عابرة، لتلك المقولة. ويطرح هنا سؤالًا منطقيًا على من يرددها. أين وردت هذه العبارة؟ ومن هو راويها؟ ومن سمعها مباشرة من الفريق الجازي؟ فالقاعدة واضحة، وهي أن البينة على من ادعى

ثانيًا، انتقل إلى التحقق من خلال شهود عيان كانوا حاضرين في غرفة العمليات الميدانية إلى جانب الفريق مشهور حديثة طوال المعركة. وعلى رأس هؤلاء العقيد المتقاعد المرحوم أحمد الحاج علي رحمه الله، الذي كان صديقًا ورفيقًا مقربًا للفريق الجازي، وكان إلى جانبه خلال أحداث الكرامة. وقد وثق الدكتور المقابلة شهادته في برنامج “فرصة وطن” على إذاعة حسنى، وسأله صراحة عن صحة هذه المقولة. فجاء الجواب حاسمًا، إذ أكد أن ذلك لم يحدث مطلقًا، وأن الاتصال والتواصل بقيا قائمين بشكل دائم مع القيادة، وتحديدًا مع الملك الحسين رحمه الله، حتى نهاية المعركة وانسحاب العدو الصهيوني الكامل من الأراضي الأردنية

التفنيد العسكري للمقولة

من الناحية العسكرية البحتة، يؤكد الكاتب أنه لا يمكن لأي قائد عسكري، مهما كان مستواه القيادي أو العقلي، أن يقدم على قطع الاتصالات مع قيادته العليا أو مع مرؤوسيه. فهذا الفعل يعد خطيئة عسكرية جسيمة لا تقود إلا إلى الهزيمة. فكيف لقائد فذ ومقدام مثل الفريق مشهور حديثة أن يرتكب فعلًا كهذا. إن حدث ذلك، فإنه يشكل خدمة مجانية للعدو، ويؤدي إلى تشتيت القوات وفنائها

ويذكر هنا بحقيقة عسكرية معروفة، وهي أن من أهم أهداف العدو في أي حرب العمل على قطع الاتصالات بين الوحدات المقاتلة وقيادتها العليا، لما لذلك من أثر في إرباك القوات وفقدان السيطرة. وقد حدث هذا بالفعل في حرب حزيران عام 1967، حين قام العدو الصهيوني بتدمير شبكات الاتصال بين القيادات العسكرية الأردنية المختلفة، ما أدى إلى فقدان السيطرة والتوجيه، وكان أحد الأسباب الرئيسية للهزيمة

وانطلاقًا من هذا المنطق، يطرح الكاتب مجموعة أسئلة جوهرية. كيف يمكن لقائد معركة أن يعرف الموقف الاستخباري المتغير لحظة بلحظة دون اتصال دائم مع القيادة العليا؟ وكيف يمكنه تمرير حجم الخسائر وطلب التعويض الفوري عنها؟ وكيف يطلع على تطورات الجبهات الأخرى التي ليست تحت قيادته المباشرة، في حين أن القيادة العليا هي مركز توزيع المعلومات والمهام والواجبات؟

الرد على شبهة قطع الاتصال مع القصر

قد يدعي البعض أن المقصود بقطع الاتصالات هو قطعها مع القصر، وتحديدًا مع الملك الحسين. ويرد الكاتب على هذا الطرح بحزم، معتبرًا إياه عبثًا وهرطقة. فهل يعقل أن يكون الملك الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة أثناء معركة تستهدف بلده وعرشه، جالسًا في قصره يتناول الشاي والحليب؟ وهل يُعقل أن يترك ضباطه وجنوده في غرفة العمليات الرئيسية وحدهم؟

ويؤكد أن الملك الحسين كان معروفًا بوجوده الدائم في غرفة العمليات، مرتديًا بزة القتال، متابعًا وموجّهًا، ومتواصلًا مع ضباطه وجنوده، بل ومع قادة العالم أجمع. وعليه، فإن فكرة قطع الاتصال مع القصر لا تصمد أمام المنطق ولا أمام معرفة شخصية الملك وسلوكه القيادي

الجزيرة - معركة الكرامة كيف هزمت إسرائيل في ساعات الفريق مشهور الجازي لأحمد منصور

سؤال مفتوح

في ختام هذا الطرح، يبقى السؤال الكبير مطروحًا. ما أصل هذه المقولة؟ ومن أين جاءت؟ إذ لا دخان بلا نار، ولا أثر بلا مسير. ويؤكد الكاتب أن الإجابة التفصيلية عن هذا السؤال، بالحقائق والدقائق، ستكون موضوع مقال قادم، في محاولة لاستكمال كشف الحقيقة كاملة، وصون الذاكرة الوطنية من التشويه والافتراء

المراجع

أخبار حسنى – معركة الكرامة ..حقيقة قطع الاتصالات مع القيادة

Previous:
هجرة اليبوسيين من بيريا الأردنية وتأسيسهم لمدينة القدس
Next:
كذبة “تسريب الموعد”: قراءة توثيقية في دور الملك الحسين بن طلال وحرب تشرين 1973