مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ١٦ – القبيلة والاتحاد القبلي

يقوم النظام القبلي بدور أساسي في فهم طبيعة المجتمع النبطي وتطوره عبر العصور فقد شكلت القبيلة والاتحاد القبلي الإطار الذي نظمت من خلاله الحياة السياسية والاجتماعية عند الأنباط ومن خلال هذا النظام برزت معالم الحكم والعلاقات بين القبائل والتحالفات التي أسهمت في قيام مملكتهم ونموها

القبيلة والاتحاد القبلي

يبدو أن المجتمع النبطي كان يرتكز على أسس المجتمعات القبلية التي عرفت في المشرق منذ أقدم العصور، حيث تشير الدلائل التاريخية أكثر من الأثرية إلى ذلك. فقد قام النظام السياسي النبطي على ركائز النظام القبلي، وهو الإطار الذي شكل أساس الحياة السياسية والاجتماعية في الممالك والإمارات التي ظهرت في جنوب الجزيرة العربية، وحواضر الحجاز، وكذلك الإمارات العربية الواقعة على تخوم بلاد الشام والعراق. وباستثناء بعض الظواهر المحدودة، لم تعرف الجزيرة العربية وأطراف الشام نظامًا اجتماعيًا أو سياسيًا مغايرًا للنظام القبلي، الذي ساد المنطقة منذ قرون طويلة وما زالت مظاهره واضحة في كثير من الأقطار العربية المعاصرة. وتبرز تجليات هذا النظام بوضوح في قمة الهرم الاجتماعي، متمثلة في بعض أنظمة الحكم التي برزت واستمرت معتمدة على أسسه

في نظام القبيلة، يعد شيخ القبيلة رأس السلطة ورمزها، والمسؤول عن تحديد مسار ترحالها واختيار القبائل التي ستتحالف معها أو تستهدفها بالغزو والسلب. ورغم قدرته على اتخاذ القرارات منفردًا، إلا أنه غالبًا ما يستعين بمجلس شورى يضم وجهاء القبيلة وزعماءها، وتتاح الفرصة حتى لأصغر أفراد القبيلة لإبداء الرأي ومناقشته، دون أن يتعرض لأي أذى ما لم يتجاوز حدود الأعراف المتفق عليها. وبذلك اتسم حكم الشيخ بقدر من الديمقراطية، وإن كان بعض الشيوخ قد انحرفوا أحيانًا عن ذلك، فمارسوا سلطتهم بأسلوب استبدادي شبيه بالطغاة

عادةً ما تتحالف القبائل فيما بينها لتشكيل اتحاد قبلي كبير، بهدف تعزيز مكانتها أمام القبائل الأخرى، والسيطرة على مصادر الماء والكلأ، وتحقيق الهيبة القبلية. وإذا اتسع هذا التحالف ليشمل إقليماً أو منطقة جغرافية واسعة، فإنه يسعى للاستقلال بذاته فيما يعرف بـ”المشيخة” أو “الإمارة”. وتمتلك هذه الكيانات الناشئة عناصر قوة تدفع قبائلها إلى محاولة رسم حدودها، ليس فقط الجغرافية، بل أيضاً الثقافية والاقتصادية والتجارية. ومع مرور الوقت، يبدأ هذا الكيان بضم الأقوام أو الجماعات والقبائل الصغيرة الواقعة ضمن إقليمه أو على أطرافه، بشكل تلقائي ودون وضع خطط مسبقة أو إبرام اتفاقيات ومعاهدات

يبدو أن الأنباط قد أسسوا هذا التحالف منذ زمن طويل، ربما قبل قيام مملكتهم بمئات السنين. فوفقًا للتقديرات المستندة إلى تحركات الحملات الآشورية في المنطقة. أما أول ذكر سياسي لهم، فيعود إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد (312 ق.م) نتيجة الحملات السلوقية في المنطقة

وتشير المصادر إلى أن البترا برزت منذ البداية كمركز سياسي وعسكري، وهو ما تؤكده أيضًا مدن مثل الحجر (مدائن صالح). كما تميز نظام الحكم النبطي بالتسامح مع الشعوب المجاورة، واحتضان جاليات أجنبية كبيرة، إضافة إلى الانفتاح الاجتماعي والديني، الذي تجلى في المصاهرة والتعاون السياسي والثقافي، بل وحتى في مشاركة الآخرين في تقديس آلهتهم

وبذلك يمكن القول إن النظام القبلي عند الأنباط لم يكن قائمًا على رابطة الدم وحدها، بل شمل أيضًا روابط المصالح المشتركة والثقافة بما فيها الدين. أما الأنساب والتقاليد المنسوبة إلى سلالة معينة، فهي في الغالب تصورات لاحقة وضعها بعض الباحثين لتفسير وجود جماعات متجانسة في أصولها. وقد تأسس النظام السياسي النبطي في بيئة البادية، ثم انتقل إلى المدينة حيث تطور مستفيدًا من ما أحرزته من تقدم، خاصة في المجالات الإدارية والسياسية. وبناءً على ذلك، فإن الأسر الحاكمة انحدرت من الأرستقراطية المشيخية التي استفادت من تجارة المدينة والقوافل، كما أفادت من الإرث الإداري والسياسي الذي نما في المدن أكثر مما نما في الصحراء

لم يكن المجتمع القبلي متجانسًا بطبيعته، بل كان يشبه إلى حد كبير المجتمع القبلي في الجاهلية، الذي كان ينقسم إلى ثلاث طبقات اجتماعية رئيسية

  • طبقة القبيل: وهي جمهور أبناء القبيلة الأصيلين، الذين تربطهم رابطة الدم، ويشكلون عماد القبيلة وسندها
  • طبقة الموالي: وتشمل الحلفاء الذين تخلى عنهم بعض القبائل أو فصلتهم وتبرأت منهم بسبب ارتكابهم جرائم، وكان إعلان ذلك يتم في الأسواق والمحافل. كما تضم هذه الطبقة العتقاء، وهم في الأصل عبيد أطلق سراحهم وأصبحوا أحرارًا
  • طبقة الرقيق: وهم الأفراد الذين يشترون في الأسواق، ويأتي بعضهم من أسرى الحروب ويعرفون بالأحابيش. كانوا محرومين من الامتيازات، ويكلفون بأعمال كانت العرب تأنف ممارستها مثل الحرف اليدوية والرعي والحجامة. وغالبًا ما كان يعتق العبد مقابل خدمة مميزة، أو لبطولة واضحة، أو لكلمة طيبة صادرة منه

أشار الباحث ديودرس إلى أن الأنباط كانوا متزهدين في امتلاك الرقيق، على الرغم من أن الرقيق كان يشكل جزءًا مهمًا من تجارتهم ووساطاتهم التجارية. فقد كانت مدينة “غزة” القريبة من أهم أسواق الرقيق، وكان الأنباط يوردون بضائعهم إلى غزة لتنقل من هناك عبر البحر المتوسط أو مباشرة إلى البر المصري. ويعزى زهد الأنباط في امتلاك الرقيق إلى عاملين رئيسيين

  • الأول عامل أمني، إذ كان الأنباط يتجنبون حيازة العبيد حفاظًا على نقاء مجتمعهم وعلى سرية مواقع المياه الدفينة في الصحراء. غير أن هذا التفسير يواجه نقدًا، إذ تشير الأدلة والآثار إلى أن الأنباط لم يكونوا معزولين عرقيًا، بل كانوا منفتحين على الأجانب، وقادرين على التمازج والتزاوج مع القبائل والأقوام السابقة لهم، خصوصًا الأدوميين والمؤابيين ومجموعات أخرى من شمال غرب الجزيرة العربية
  • أما العامل الثاني فيعود إلى الجانب الاجتماعي أو التركيبة المجتمعية، حيث كان الأنباط يميلون إلى خدمة بعضهم بعضًا أو الاعتماد على أنفسهم في أداء الأعمال، وكانت هذه العادة واضحة حتى بين ملوكهم

يتضح أن النظام الاقتصادي والاجتماعي الأبوي كان يفرض على جميع أفراد الأسرة أداء واجبات محددة ضمن هذا النظام. وكان كل فرد في الأسرة، بما في ذلك الأطفال، جزءًا فعالًا في هذه التركيبة. فمثلاً، كان بإمكان طفل صغير أو فتاة صغيرة رعاية الماشية والإبل، وكان الجميع يساهم في خدمة ثروة الأسرة من الأنعام أو في أي نشاط اقتصادي آخر مثل التجارة والزراعة

ونتيجة لذلك، كانت حاجة الأسرة إلى العبيد أقل، على الرغم من وجود شريحة منهم في المجتمع النبطي، إلا أن نسبتهم كانت أقل مقارنة بالمجتمعات المحيطة، ربما لأن الرق وامتلاك العبيد كان سمة عامة في المجتمعات الشرقية. وتجدر الإشارة إلى أنه خلال فترة الازدهار الاقتصادي، التي أوجدت مجتمعًا أكثر رفاهية، ازداد انتشار ظاهرة الرقيق، حيث تتطلب الرفاهية المتنامية المزيد من العبيد، خصوصًا في المدن، بينما ظلت البوادي محافظة على زهدها في امتلاك الرقيق بسبب بساطة نمط الحياة فيها

المراجع

عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن

Previous:
مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ١٥ – الزراعة النبطية، نظام الري وقطاع الخدمات
Next:
المملكة الأردنية المؤابية، جزء: ١٣ –  كموش (إله مؤاب)