مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ١٧ – الأسرة والمرأة والقانون والعرف
يعد موضوع الأسرة ومكانة المرأة في المجتمع النبطي من أبرز الجوانب الاجتماعية التي تكشف عن طبيعة الحياة اليومية عند الأنباط فقد ارتبط حجم الأسرة ومكانة أفرادها، وبخاصة المرأة، بالنظام الاجتماعي والاقتصادي السائد آنذاك وتشير النقوش والمصادر الأثرية إلى ملامح واضحة حول دور المرأة وحقوقها ضمن إطار المجتمع الأبوي
تمثال الآلهة تايكي البترا
الأسرة ومكانة المرأة
تشير مخططات المساكن النبطية إلى تنوع أشكال وأحجام الأسر في ذلك الوقت. فبعض المساكن تتألف من حجرة واحدة أو اثنتين، وهو ما يناسب فقط الأسرة النووية (الزوجان أو الزوجان مع طفل واحد أو أكثر). وهناك مساكن تتكون من حجرة واحدة محفورة في الصخور، ما يشير إلى أن الأب أو الذكر الأكبر كان يحتل المكانة الأعلى داخل الأسرة، ويضطلع بمهمة إدارة شؤون أفرادها ورعايتهم جميعًا
أما بالنسبة لحجم الأسرة، فالتوقعات تشير إلى أن الأسر النبطية كانت كبيرة نسبيًا. فأساليب تنظيم الأسرة لم تكن معروفة أو شائعة آنذاك، ولم يرد في النقوش النبطية ما يوضح ذلك. لذلك، يبقى مستوى الخصوبة لدى المرأة النبطية مفتوحًا حسب الطبيعة، مما يجعل من المتوقع أن تكون الأسر كبيرة إلا إذا حالت ظروف طبيعية مثل الأمراض الفتاكة التي كانت تنتشر أحيانًا في بعض المناطق دون غيرها، دون أن تؤثر كثيرًا على مناطق الصحراء مقارنة بالمجتمعات الحضرية
أما فيما يتعلق بالوفيات الناتجة عن الحروب والغزوات التي شهدتها الصحراء العربية، فلم تكن هذه الأحداث عاملًا رئيسيًا في تحديد أعداد السكان. في المقابل، كانت طبيعة النظام الاجتماعي والاقتصادي تشجع على تكوين أسر كبيرة، الأمر الذي يعزز القوة الاقتصادية للعائلة، ومن ثم يزيد من قدرتها القتالية، وهو ما يعرف في التراث العربي بمفهوم العزوة
فيما يتعلق بمكانة المرأة، غالبًا ما يستشهد بوجود قبور مخصصة للنساء، استنادًا إلى النقوش التي تشير إلى ذلك، مما يدل على تمتع المرأة بحقوق الملكية. في مواقع مثل البترا والحجر، توجد عدة قبور تظهر ملكية نسائية. على سبيل المثال، في موقع “أم القطين” تم العثور على عدة نقوش نسائية مؤرخة بالنصف الأول من القرن الأول الميلادي. وقد حرصت النساء على تسجيل أسمائهن على شواهد القبور حتى في المناطق النائية عن المدن الكبرى، مثل موقع “ذات رأس” جنوب الأردن. ومن الأمثلة على ذلك النقش: “ل حيت برت عمرت بر انجسد مس بر عمرت”، أي (الحياة بنت عمرة بن أنجسدمس بن عمرة). وهناك نقش آخر مؤرخ عام 90 ميلادي، على قبر “هيئة برت عبد عبدت”، يخصها وذريتها وأولادها، ويشير أيضًا إلى حقوق الأب والأقارب، مثل
لأبيها عبعبدت وعبعدت بر مليكة أخت معنوه أم عبعدت أبو هيئة وأخ رسي وملكو الأسرتج بر ربيب آل الأسرتج
وقد ورد ما يشابه ذلك أيضاً في برديات البحر الميت، التي تضمنت عقوداً ملكية وصفقات بيع وشراء تخص امرأة تدعى “بابتا”. ومن المرجح أن معظم هذه الملكيات الخاصة بالنساء تعود إلى نساء أجنبيات يقمن بين ظهراني الأنباط، أو نساء نبطيات من الطبقة الأرستقراطية المتأثرة باليونانيين والرومان، كما يوحي بذلك مصطلح (آل الأسترتج)، بالإضافة إلى بعض الأسماء المتأثرة باليونانية أو الرومانية مثل اسم “أنجسدمس”. كما يشير الباحثون إلى ظهور صورة المرأة على المسكوكات النقدية، إما كأخت للملك أو كزوجته. ومن الملاحظ أن والدة رب إيل (الثاني) تولت الوصاية على عرشه حتى يبلغ السن القانونية للولاية بعد وفاة والده، وقد صكت العملة التي تظهر فيها صورتها إلى جانب صورة ابنها

عملة (دراخما) إيل (الثاني) من الفضة مع جميلات (والدة رب إيل الثاني)
الخلاصة أن المرأة في المجتمع النبطي كانت في وضع مشابه للمرأة في المجتمعات السابقة والمعاصرة من حيث الحقوق المحدودة ضمن المجتمع الأبوي، خصوصًا في المجتمعات الزراعية والبدوية. إذ كان يتوقع منها المساهمة بجهود كبيرة في النشاط الاقتصادي، دون أن تقابل هذه المساهمات بما يكفي من المكاسب أو الحقوق
أما في المجتمع المدني، فقد تحسنت أوضاع بعض النساء نسبيًا، حيث تمكنت بعضهن من ممارسة حقوق مشابهة لتلك التي يمارسها الرجال، لكن الحالات البارزة كانت استثنائية ولم يكن بالإمكان تعميمها على جميع النساء، بحيث لا يمكن القول إن المرأة تمتعت بحقوق مساوية لحقوق الرجل
بالنسبة لبقية الأفراد، فإن لهم حقوقًا وواجبات، يتركز معظمها حول الجوانب الاقتصادية. فجميع أبناء الأسرة، سواء كانت ممتدة أو نووية، يشتركون في العمل وفي الثروة حتى يقوم الأب بتقسيمها. وفي المقابل، تتكفل الأسرة بتوفير متطلبات الزواج والمسكن الجديد للأبناء الذكور عند ميقات الزواج. أما الإناث، فلا يمنحهن النظام الأبوي نصيبًا محددًا عند الزواج، سوى بعض الهدايا التي تعتمد على ثروة الأسرة وكرمها، وليس على حقوق عرفية أو دينية واضحة
الأجانب في المجتمع النبطي
شهد مجتمع الأنباط وجود جاليات أجنبية، وهو أمر طبيعي في ظل مكانتهم التجارية المتميزة التي كانت العامل الأبرز في ازدهارهم وتطورهم. فقد أدرك الأنباط مبكرًا مقومات الازدهار التجاري وسبل تحقيقه، فعملوا على تأمين الطرق وتزويدها بكل ما تحتاجه القوافل والمسافرون، كما توسعوا في بناء المدن وأنشأوا فيها البنى التحتية والصناعية والخدمية اللازمة. ويرجح أن البترا كانت مركزًا تجاريًا وإداريًا لرعاية شؤون القوافل أكثر من كونها مدينة سكنية
وقد كشفت النقوش والمخربشات المكتشفة في الرقيم (البترا) وغيرها عن مؤشرات لوجود أجانب أو جاليات أجنبية، حتى وإن خلت من نصوص صريحة، إذ استنتج بعض المستشرقين منها وجود جاليات إغريقية. وتذكر المصادر أن الحاكم الأدومي “انتيباتر”، مستشار الملك المكابي هيركانوس ومؤسس السلالة الحشمونية (حوالي 64 ق.م)، قد تزوج من أميرة نبطية تدعى “كيبروس”، والتي أنجبت له هيرود، كما أن حفيده هيرود الثاني تزوج من ابنة الحارثة الرابع. وتشير الروايات إلى أن هيرود الثاني طلق زوجته النبطية، فانسحبت إلى بلاد أهلها، مما دفع والدها الحارثة الرابع لقيادة حملة عسكرية حاصر بها أور، قبل أن تحل الأزمة على الأرجح بضغط من الرومان

هيرودس الكبير
ولا يعد وجود جاليات أجنبية أو عناصر إغريقية أمرًا مستغربًا في المجتمع النبطي، إذ كان مجتمعًا متسامحًا، كما أن مصالح التجارة وروابط المصاهرة كانت دافعًا قويًا لاندماج هذه الجاليات في نسيجه الاجتماعي
أما الإغريق والرومان فإن آثار وجودهم القوي ظلت ماثلة حتى الآن في النمط المعماري في البتراء والحجر وغيرها من المناطق، والنقوش الكثيرة ثنائية اللغة نبطية – يونانية تؤكد هذا الوجود القوي، أما تلقب الملوك الأنباط ببعض ألقاب الحكام اليونان فذلك أمر اشتهر وعكسته العملات النقدية التي حرص أوائل ملوك الأنباط على التقرب فيها للثقافة اليونانية، بل إن الكثير من الأسماء حورت لحمل الطابع اليوناني مما سينشأ معه تمازج ثقافي حقيقي. وإذا ما علمنا أن استراتيجية اليونان التي بلورها الإسكندر كانت ترمي إلى خلط الثقافات بالتزاوج والتجاور استطعنا أن نتفهم التواجد اليوناني القوي في المدن النبطية. ومثل ذلك يمكن أن يقال أيضا عن الرومان الذين قدموا للمنطقة بكثافة كبيرة على ما تعكسه الآثار نظرا لما عرف عنهم من اهتمامهم الكبير بالمنطقة وطرقها التجارية، وقد ترك الرومان لنا إرثا مميزا في الأسلوب الروماني في المعمار، وكذلك في مسميات الوظائف العسكرية، وفي القدر الكبير من العملات الرومانية. أما الجالية المصرية فلا شيء محدد باستثناء ما يشار إليه من بعض التأثير الثقافي المصري في المجتمع النبطي، خصوصا ما تعلق منه بالدين والمعتقدات وبناء المعابد، ومن هذه المعابد التي أبرزت التأثير المصري على سبيل المثال قصر “بنت فرعون”، ثم استخدام البخور في المراسم والشعائر الدينية. كيف لا ونحن نعرف أن الطريق التجارية النبطية العابرة للنقب وسيناء كانت من أهم الطرق التجارية للأنباط وكانت السوق المصرية من أكبر الأسواق المستوردة للسلع النبطية كالقار المستخرج من البحر الميت، ثم النحاس المستخرج من منطقة فينان ثم البخور والطيوب والمر القادمة من جنوب الجزيرة العربية إضافة إلى أعداد أخرى من السلع الكمالية كالبلسم واللؤلؤ وغيرها
الزواج في المجتمع النبطي
كان الأنباط قد عرفوا شكل الزواج الأحادي الذي عكسته معظم الآثار والنقوش المتوفرة، فهذا الملك الحارثة الرابع (9 ق م – 40 م) قد تزوج من اثنتين خلدو ثم شقيلت، وكانت صورة خلدو تظهر في العملة إلى أن انقطعت عن ذلك عام 24 من حكم الملك لتبدأ صورة شقيلت بالظهور في العام 27 من حكمه، وأغلب الظن أن خلدو الزوجة الأولى إما طلقت وإما توفيت وفوق ذلك فليس من الواضح إن كان الأنباط عرفوا أنماط الزواج الأخرى التي كانت معروفة لدى عرب الجاهلية حتى أيامها الأخيرة من مثل تعدد الزوجات أو تعدد الأزواج إلخ من الأنماط، ويبدو أن الأنباط كانوا يتخذون السريات والمحظيات بالإضافة إلى زوجاتهم، ففي نقش ضريحي من الرقم 80 تذكر زوجة ومحظية وحليهما، وتدعى المحظية لديهم أسرتا ربما من الأسر فهي من بقايا السبي، وكان المصدر الأساسي للرقيق هو العرب، لكن لا شيء يمنع من الاعتقاد أن الأنباط عرفوا تعدد الزوجات على الأقل باعتبارهم حملة الثقافة السامية ثم باعتبارهم المجتمع القبلي الذي ظل يحافظ على تقليد تعدد الزوجات لوقت طويل
الملكية والإرث
عرف الأنباط الملكية الخاصة مثلما نعرفها اليوم والنقوش التي تملأ القبور حافلة بنصوص تذكر ملكيات هذه القبور وتفصل في حقوق ملكيتها وإرثها أيضا ويلاحظ في نقوش الحجر النبطية أن الإرث لم يكن تلقائيا أو مطلقا بل كان لا ينفذ إلا بموجب وصية محددة أي يحدد فيها المورث الأشخاص الذين يحق لهم الوراثة ومن الممكن أن يستثنى منها بعض من الورثة لهذا السبب أو ذاك مما لا نعرفه من الأسباب وفي نقش فريد نجد أن وصية للجيران كذلك على أحد الأضرحة “لهم ولعميرة وعصرانة وآل علت بنات وشوح ولجيرانهم الذكور والإناث” وجاء في أحد نقوش القبور أيضا “قبر أروس بر فرون له ولأبيه فرون الهفرك ولزوجته قينو ولأخواته حطبة وحملة وأولادهم ومن يكتبون له وثيقة بذلك من الورثة الشرعيين
الختان
لا شيء في الآثار يوجب الذكر بخصوص هذه العادة أو الظاهرة لدى الأنباط، ومن المنطق أن نعتقد أن الأنباط مارسوا عملية الختان مثل مختلف الأقوام السامية الأخرى، بل إن الختان كان منتشرا في مناطق أوسع، ويزعم الباحث “هيرودت” أن اصل العادة جاء وانتشر من المصريين، لكن المصادر العربية تشير أو توحي أن مثل هذه العادة ضاربة في القدم في مجتمع الجزيرة العربية إلى درجة وصلت معها حد التقديس، وفي تراث عرب الجاهلية ما يشير إلى أن الختان هو من تمام الرجولة
القانون والعرف
اشارت المصادر التاريخية الى ان الانباط لم يعرفوا نظام المحاكم الرسمية ولم يكونوا بحاجة اليها والابنية التي قدر انها من بقايا المحاكم في البتراء هي في الحقيقة محاكم يونانية او رومانية نشأت في العصر الروماني ومبنى المحكمة المنحوت في الجانب الشرقي لمدينة البتراء هو في الحقيقة من اكبر ابنية المدينة وقال الباحث سترابو ان الانباط لم يعتادوا اللجوء الى المحاكم ولم يكن لديهم محاكم خاصة بهم والمحكمة خاصة بالاجانب في حال خرقهم او تعديهم عليها ويفسر سترابو ذلك بحب الانباط للسلام والتصالح اذا فان المحاكم الرسمية كانت من صنع اليونان والرومان غير انه لا شك في ان الانباط كان لديهم نظام قانوني يحتكمون اليه في تسوية خلافاتهم وتحصيل حقوقهم والاقتصاص من مرتكبي الجرائم والجنح والمخالفات وبغير ذلك لا تستقيم حياة المجتمع فما بالك بمجتمع مترامي الاطراف تعددت فيه الانشطة وكثر فيه الاجانب وازدادت ثرواته
الحقيقة في امر القانون النبطي يكمن في العرف او القضاء العشائري ولا بد من ان جزءا كبيرا من اعراف العشائر البدوية وقوانينها القضائية اليوم قد تشابه مع قوانين الانباط او اقتبس منها وللاعراف سمة الحياة الطويلة مثلما نعرف لدى كل الشعوب خصوصا شعوب الشرق اما المؤسسات القضائية فلا بد من ان الملك يقف على راسها وان كان بصورة رمزية بعد ان كثرت مشاغله وتوسعت مملكته وقد ورد في نقوش الحجر النبطية ما يؤيد هذا الاحتمال اذ حددت غرامات لصالح الملك او لصالح دوسرا في حالة التعدي على الحقوق المنصوص عليها في النقش الذي يخص القبر
النزاعات الفردية أو الجماعية وفي كل الحالات التي تستوجب تحكيما التوجه إلى أحد الوجهاء أو الزعماء أو الرموز الدينية، يعرض على هؤلاء طلب الحقوق أو الاستعداد لدفعها في حالة الثبوت أو حالة الاعتراف، وهو ما نسميه اليوم في العرف العشائري “العطوة”، بعد ذلك تجري ترتيبات متصاعدة إلى أن يجري الفصل بين الطرفين بإصدار الأحكام أو تنفيذها، في بعض الحالات يحق لأحد الطرفين الاستئناف أمام قاض آخر غالبا ما يكون أعلى مكانة وفق العرف السائد، أما في حالات نزاع الدم، فيجري التوجه إلى قضاة خاصين بمثل هذه القضايا الكبرى، وحسب العرف أيضا فإن لكل نوع من القضاة أو “المشايخ” ما يختص به من القضايا ولا بد أيضا من أن القضاء راح يتسع ويتفرع بعد أن برزت في المجتمع النبطي تطورات اجتماعية واقتصادية جديدة، ومن المحتمل أن بعض القضايا التجارية احتكم فيها أمام القضاء اليوناني أو الروماني ما دام الأنباط قد انتشروا في مناطق أجنبية كثيرة، ولا بد أن بعض الأجانب أيضا استطاع تحقيق بعض الامتيازات بشأن تطبيق قوانين مجتمعه وأعرافه في بعض الحالات، خصوصا ما تعلق منها بالقضايا التجارية
المراجع
عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن