مملكة الأنباط الأردنية، جزء: ١٩ – الوضع السياسي الإقليمي والدولي
يعد الأنباط من أبرز الشعوب العربية الاردنية أدومية الأصل القديمة الذين تمكنوا من بناء حضارة متميزة في قلب الصحراء. فقد برعوا في استثمار موقعهم الجغرافي لتأسيس اقتصاد قوي قائم على التجارة والصناعة. ويكشف هذا النص عن الجوانب الاقتصادية المتنوعة التي شكلت جوهر تفوقهم التاريخي
(الوضع السياسي الإقليمي والدولي(منذ أواخر القرن الرابع ق.م
منذ حوالي ۳۱۲ ق.م صار الأغريق يعززون قوتهم في المنطقة بدءا من سوريا التي جعلوا فيها عاصمة السلوقيين (سلوقية) ثم (أنطاكيا) وبدأوا يحاولون التوسع ليواجهوا أشقاءهم البطالمة في مصر في عمليات صراع دامت طويلا تراجع فيها السلوقيون بفضل هذا الصراع من الغرب والجنوب وبفضل الصراع مع الشرق إضافة إلى التمردات والثورات المحلية في ولاياتهم
وكان الفرثيون قد أقاموا أسرة حاكمة لهم في إيران عام ٢٥٠ ق.م وراحوا يصارعون السلوقيين للسيطرة على بلاد النهرين ففتحوها عام ۱۳۹ ق.م وطردوا السلوقيين من بابل وميديا واتخذوا سلوقية عاصمتهم الشتوية وظل الفرثيون طوال الوقت يتطلعون لتوسيع نفوذهم غربا لنفس الأسباب التي دفعت القوى الأخرى لذلك ألا وهو السيطرة على الطرق التجارية البحرية منها والبرية وهم في مساعيهم هذه استخدموا العديد من الوسائل الحربية وغير الحربية وأهمها استمالة بعض القبائل العربية ودفعهم لشن غارات على أملاك السلوقيين وحلفائهم بقصد زعزعة استقرار السلوقيين وقد استطاعوا في العام ٤٠ ق.م اجتياح مناطق واسعة من بلاد الشام إثر استغلالهم للخلافات الداخلية في الإمبراطورية الرومانية ولكنهم لم يمكثوا طويلا فقد استطاع الرومان طردهم بعد عامين فقط من ذلك يمكن كذلك التذكير بالنفوذ أو الاستعمار الفارسي القديم الذي أعقب استيلاء الفرس على بابل ٥٣٩ ق.م والذي أورث هذه الإمبراطورية الجديدة كل أملاكها في الغرب وفي الشرق ومنها المنطقة العربية برمتها وفي القلب منها سوريا الطبيعية
يشار كذلك إلى سلسلة المدن العشرة (اتحاد الديكابولس) التي كانت مدنا أنشأها اليونانيون أو أعادوا تجديدها كمدينة عمان (فيلادلفيا) وقد ارتبطت هذه المدن مع بعضها بعضا بعرى حضارية ودينية واقتصادية وثقافية وكانت على درجة عالية من التقدم والازدهار وقد انضم لهذه المدن مدن أخرى فيما بعد وجميعها تقع شرقي الأردن باستثناء سكيثو بولس (بيسان) ومنحت أنطاكية وسلوقية وغزة ومستعمرات أخرى الحكم الذاتي أيضا تحت حكام الولايات لكن هذه المدن لم تكن لتشكل خطرا حقيقيا على جيرانها من الأنباط أو غيرهم غير أنها كانت تقطع إقليم دولة الأنباط من المنتصف تقريبا فهي تمتد من بيسان قرب بحيرة طبريا غربي النهر وتمتد شرقا لتشمل طبقة فحل (بلا) في الغور ومدينة عمان (عمون – فيلادلفيا) ثم شمالا إلى أن تصل إربد (أرابيلا) وجرش (جراسا) وأم قيس (جدارا) ومدينة (ديون) إربد حاليا
من الناحية الشرقية للصحراء النبطية فقد كانت الحجاز التي ضمت آنذاك مدنا صغيرة تحيط بها مجموعات كبيرة من القبائل العربية المرتحلة التي لا تستقر حتى تعود للرحيل وكان بعض تلك القبائل يعمل على ضعضعة استقرار الطرق التجارية بهدف السلب والنهب الا ان الحفاظ على سلامة الطرق التجارية كاد يصبح مصلحة حقيقية لمعظم القبائل او على الاقل للقبائل الكبيرة التي اخذت على عاتقها رعاية سلامة الطرق التجارية ما دامت تحقق من وراء ذلك مصالح لها في التجارة او في العطايا والهدايا التي كانت تمنحها لهم الدول القائمة ويبدو ان الأنباط كانوا قد استغلوا جيدا صلاتهم القرابية والثقافية بتلك القبائل فأقاموا معها عهودا متينة بالحفاظ على مصالح الدولة النبطية خصوصا ما تعلق منها بسلامة الطرق التجارية عبر شبه الجزيرة ولم تكن حدود الأنباط في تلك الجهات تتعرض لخطر حقيقي بل ان مدينة الحجر كانت اشبه ما تكون بمدينة مستقلة في ظل الحكم النبطي كما مر مظاهر الحكم الذاتي كسك النقد وعلو صرح المعمار والثراء فيها
غير أن الخطر الحقيقي الدائم سيبدو بوضوح متمثلا في الكيان اليهودي المجاور لهم غربا في بعض أجزاء فلسطين وفي بعض الفترات يمتد إلى مناطق في شرقي الأردن لأن معظم الحروب والمعارك التي خاضها الأنباط كانت ذلك مع الكيان خصوصا في فترة حكم المكابيين ١٦٧ – ٣٧ ق م ثم مع خلفهم الأسرة الهيرودية الهرادسة ٣٧ ق م – ۱۰۰م وذلك أن هذه الفترة من الزمان كانت هي نفسها التي شهدت تطور حضارة الأنباط ودولتهم وهي الفترة نفسها أيضا التي ظلت فيها القوى الغربية اليونان الرومان وكذلك القوة الشرقية الفرس – الفرثيين تتطلع للسيطرة على منطقة الشرق وصولا إلى سواحل المتوسط الشرقية وموانئه البحرية في المتوسط والأحمر إضافة إلى الطرقات البرية التي كانت تمثل شرايين العالم الشرقي آنذاك
كان الكيان اليهودي طوال هذه المدة يمر بالتقلبات والثورات والصراعات الداخلية وكانت مظاهر الصراع كما تعكسها المصادر العبرية تتراوح ما بين الصراع على سلطة الكهنوت والسلطة الزمينة ثم الصراع ما بين ثقافتين أو أسلوبين للحياة أسلوب يتمثل في تقاليد الشريعة وفق ما تراه فئة من المتصارعين مقابل ما تراه فئة أخرى ارتأت اندماج اليهود في ثقافات العصر السائدة من كنعانية – آرامية ثم هلينية ثم رومانية ولم يستطع أي من الفريقين حسم الصراع لصالحه طوال الوقت مما أرهق جميع الأطراف بل وأزعج الدول الحاكمة لولاياتهم مما سيوجه غضب هذه القوى اتجاههم في كثير من الأحيان وهذا ما يفسر تعرض هذه الأقوام العبرانية للتدمير والتشتيت عبر كل الحقب الزمنية منذ حكم الآشوريين مرورا بحكم المقدونيين إلى الرومان أخيرا الذين دمروا القدس والهيكل عام ۷۰ م على يد القائد الروماني طيطوس ثم ما لبث اليهود أن عادوا إلى سيرتهم الأولى في خلق القلاقل والاضطرابات والصراعات إلى أن قضي عليهم في عهد الإمبراطور هدريان (۱۱۷- ۱۳۸ م) الذي شتتهم مرة أخرى بعد أن قضى على خلق كثير منهم
الوقائع النبطية
وفي اثناء الحكم الملكي النبطي وفي فترة حروبه مع اليهود، كان الجيش النبطي يمثل قوة ضاربة يحسب حسابها اذ يخبرنا جوسيفيوس عن وساطة انتيباتر الادومي لدى الحارث ملك الأنباط في اثناء صراع ابناء الاسكندر جانيوس على السلطة عقب موته وكانت القضية هي تأمين دعم الأنباط لهير كانوس ونتيجة لذلك تلقى هير كانوس الدعم من الحارث مقابل ان يقوم هذا بإعادة كل المدن الاثنتي عشرة التي سبق لوالده ضمها وبسبب هذه الوعود فقد جرد الحارث جيشا من خمسين الف فارس وراجل واتجه الى ارستوبولس وحاصر اورشاليم القدس وكاد يفتحها لولا تدخل القائد الروماني سكاوروس ويسجل سفر المكابيين ايضا قبل ذلك ما مفاده ان الأنباط صاروا قوة عظيمة يمكن الاستنجاد بها “وأرسل يوناتان أخاه بجماعة تحت قيادته يسأل النباطيين اولياءه ان يعيروهم عدتهم الوافرة” سفر المكابيين الثاني (٣٥/٩)
أما في عام 100 قم، فكانت كليوبترا حاكمة مصر تقيم تحالفا مع الكسندر جاني الحاكم الكاهن الاكبر اليوناني في فلسطين، من اجل القضاء على نفوذ الأنباط على ساحل المتوسط غزة، فاستنجد اهل غزة بملك الأنباط الحارث الثاني بعد ان حوصرت المدينة من قبل الكسندر جاني، واستطاع الأنباط القضاء على هذا الحلف ودخلوا المدينة وقاموا بسك النقود التي عثر على قسم منها في الحفريات التي تمت في مدينة غزة
وبعد استلام انتوخيوس الثاني عشر السلوقي زمام الحكم في دمشق وضع نصب عينيه القضاء على تقدم الأنباط الذين كانوا يشكلون خطرا على السلوقيين في سورية، قام هذا الحاكم بشن حملتين ضد العرب، الاولى عام 85 قم، ويبدو ان معلومات هذه الحملة غير معروفة، والثانية وقد وقعت في عهد الحارث الثاني عندما شن هجوما على الطريق الساحلي متعاونا مع المرتزقة لتحريضهم ضد العرب في المدن الفلسطينية، لكن الملك النبطي عبادة الاول عبادة الاول 95-88 قم وضع خطة حربية محكمة حيث تراجع بقواته الى النقب لارغاء القائد السلوقي الذي شعر بان الطريق اصبح مفتوحا امامه وبدأ بالتقدم السريع وسرعان ما تصدى له الملك النبطي وانزل بقواته المعادية خسائر فادحة ولقي القائد السلوقي حتفه وفرت قواته ومات معظمها من الجوع والعطش
تزودنا المصادر التاريخية بأنباء حملة نبطية تتجه إلى دمشق لكن دون أن نعرف إن كانت قد وجهت بقوة عسكرية أم غير ذلك وأغلب الظن أن دخول الأنباط إلى دمشق عام ٨٥ ق م فقد قام المجلس البلدي للمدينة بتوجيه دعوة إلى الملك النبطي الحارث الثالث (٨٥-٦٢ ق م) لاستلام السلطة في المدينة بعد أن بدأت تخشى من خطر القبائل العربية الأيطورية التي كانت توسع نفوذها في شمال سورية ويذكر أن المدينة كانت تحتضن جالية نبطية كبيرة ومن الطبقات الغنية فيها وقام الأنباط بسك النقد فيها وقد مكثوا فيها إلى حين قدوم القائد الروماني بومبي الذي أخرجهم منها عام ۷٠ ق م واستمر بومبي في زحفه جنوبا إلى أن وصل أحد جيوشه بقيادة سكاوروس إلى البترا عام ٦٢ ق م غير أن الأنباط تداركوا الأمر عن طريق إعطائهم كمية من الفضة مقابل أن يتراجعوا عن حصار المدينة ويبدو أن سكاوروس حاصر البتراء وأشعل النيران بممتلكات الأنباط حولها ثم عاد بعد أن دفع له ۳۰۰ تالنت من الفضة وعقد معاهدة صلح من الحارث الثالث (٨٧-٦٢) تتضمن قبول الأنباط بتبعية الرومان
وعن مشاركة مالك الثاني (٤٠ – ٧١م) في حملة عسكرية رومانية بقيادة تيطس كانت تقصد القدس أورشاليم قوامها ألف فارس وخمسة آلاف راجل وكان ذلك عام ٧٠ م العام الذي نعرف أنه كان عام تدمير الهيكل وتدمير القدس من قبل الرومان ومن الوقائع النبطية نعرف من مصادر متعددة أهمها سترابو عن مشاركة الأنباط للحملة الرومانية الشهيرة نحو بلاد العرب الجنوبية وقد كانت مشاركة الأنباط فيها بقيادة الوزير الشهير سيلي (صالح) على رأس ألف من الأنباط وكانت مهمتهم الأساسية إرشاد الحملة إلى الطريق المناسب نحو الجنوب عبر البحر والبر وتأمين التموين لها ويذكر أن اليهود أيضا كانوا يشاركون بفريق من خمسين فردا لا نعرف مهمتهم لكن ليس من الغريب ان يكون هؤلاء سببا في تأليب الرومان على سيلي واتهامه بتضليل الحملة لتلاقي ما لاقت من الفشل ومما يعزز هذا الشك ما كان بين الوزير سيلي ممثلا للأنباط وبين الإسكندر جانيوس وخلفائه من صراع انتقل إلى البلاط الإمبراطوري في روما وكانت النتيجة أن دفع سيلي الثمن بالحكم عليه بالإعدام
المراجع
عزام أبو الحمام المطور، الأنباط تاريخ وحضارة، دار أسامة للنشر و التوزيع، عمان – الأردن